أخبار عاجلة

بني العروبة إن الله يجمعنا ولا يفرقنا في الأرض انسانا

 حروف

الحسين علي كرار

يحكي أن إمرأة كانت خادمة وكان مخدوموها لا يرحموها في العمل ، فحصل أن وضعت طفلا وكانت نفساء ، فمر أحد أطفالها من أمامها ، فسألت الحاضرات من النساء، وهي تتجاهل وتترفع بما تشعر به من الراحة ،  إبن من هذا الطفل؟ فضحكن وأجبنها بأنه طفلك  ألم تعرفيه؟ كانت بالنسبة لها لحظة نشوة وترفع ، ويبدو  أن الدكتور عندي برهان عندما قال في اللغة العربية كنا نسميها لغة أكيتو كان في لحظة نشوة بهذا الترفع ، فبعد أن حمل الجواز الأمريكي ونسي المرمطة في أرتريا ومتاعب الأفارقة ، اعتبر نفسه من الصفوة البيض الذين يسخرون ممن سواهم من الملونين ، فجاء بهذا الأسلوب ،و بهذا الإستفزاز وهذه السخرية السخيفة ، والدكتور لا يجهل أن اللغة العربية تعتبر ثاني اللغات في العالم من حيث الإنتشار،إذ يصلي بها خمسة مرات يوميا قرابة المليار ونصف شخص في العالم وذلك غير من يجيدها من بقية الأقوام ، إلي أين سيهرب منها ؟ وهو يعيش في جو هذا التكبر الغشاش ،ولكن العربية التي يراها سمالة ، سيشربها .

الحقد والكراهية والتعصب مرض يصاب به أفراد في المجتمعات حتي المتقدمة وهذا المرض متجذر في أرتريا لعوامل تأريخية خاصة في كراهية اللغة العربية والعروبة وحتي البعض من المسلمين الذين يحبون الإثارة في الكتابة تارة بأسماء مستعارة وتارة بأسمائهم أصبحوا يستعملون كلمة العربان في الفترة الأخيرة تطاولا منهم علي العرب، وهم لا يهينون إلا أنفسهم، فالعرب قامة ، ومن يتحدثون بلسانهم قد عجزوا .

من المعيب علي مجتمع التجرينية – والخطاب بلغلة الأكثرية – أن يتركوا الشعب الأرتري اكثر من ستين عاما في دوامة مناقشة اللغة العربية ، وهي مفروضة عليهم سواء رفضوها أم قبلوها ،فواقع المجتمع الأرتري سيفرضها عليهم ، والواقع المحيط بهم سيفرضها عليهم ، وقد قبلها أجدادهم ، و السؤال للمكابرين منهم من أمثال الدكتور عندي برهان ، إذا سألته ، من أنت في هويتك الإثنية ولسان حديثك ؟ فالجواب يأتيك منه  دون تردد أنه من بلاد حمير وسبأ ، ولغته جئزية ووفدت معه من هناك ، وبهذه الإجابة وبالخطوة الأولي وضع نفسه بقدميه الإثنتين وبلسانه في منبع العروبة  بلاد حمير وبلاد سبأ وبلاد يعرب وبلاد قحطان وبلاد عدنان ، بلاد العروبة ، ورغم كراهيته لها يعرف أن هذه جذور إنتماءه الذي يدعيه ويفتخر به ، ولم يفرضه عليه أحد ، فلماذا الجحود والنكران؟ و إذا سألت القبائل المسلمة إنتمائها لأخرجت لك كل قبيلة من صناديق الأجداد الموضوعة في المخابيء حفاظا عليها من التلف من تحت الأسرة ، إنتمائها المكتوب باليد منذ قديم الزمان من عهود الأجداد علي الأوراق الصفراء وحبر الدواية ، بأنها تنتمي لهذا الشريف أوذاك السيد أو الشيخ أو ذاك الحاكم من العرب ، أو تلك القبيلة العربية ، وحتي إذا شككت في هذه الإدعاءات ، فيكفي هذا الشعور والإحساس بالإنتماء إلي العروبة، فلماذ الجحود والنكران ؟ الجئزية كانت لغة أهل قحطان ، والعربية كانت لغة أهل عدنان، فنزل القرءان الكريم بلغة عدنان فاختفت الجئزية في الجزيرة وأصبحت في ارتريا وأثيوبيا كلغة سامية ذات جذور عربية فلم الجحود والنكران؟

 إن الذين يرفضون عروبة أرتريا مثلهم كمثل شخص في يده حبة فول أوحبة فستق محمصة ومملحة تسيل اللعاب ، ولكنه يقسمها شقين فيتناول نصفها فيشعر بلذتها وحلاوتها وتلك اللذة والحلاوة هي الجئزية المنتمي إليها وهي حمير الجئز ، والنصف الأخر يري فيه حمير العرب في الجزيرة من  يعرب وقحطان ، فيري فيه مساويء الطعام  فيلفظه من فمه ،ويقول لا أطيق بلع هذا النصف ، فهي عقدة نفسية  وتعصب وربما لها أسبابها ، فهل هي عقدة الدين الذي يعتنقه ، ولكن من نشر المسيحية في أرتريا كذلك هو عربي سوري مسيحي، وإذا تقرب لإسرائيل من بوابة نبي الله سليمان ، فإن بلقيس التي يتقرب عبرها هي بنت سبأ وبنت حمير وجدة يعرب وقحطان ، فلم الجحود والنكران؟  وإذا وقف في الهضبة ونظر شمالا سيري مكة المكرمة التي ولد فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ونزل فيها القرءان ، وإذا مد بصره قليلا هناك سيري بيت لحم التي ولد فيها الرسول عيسي عليه السلام ونزل فيها الإنجيل ، وكلها أرض العروبة النابضة وأرض الرسالات السماوية ، فلم الجحود والنكران؟ وهذه الخصلات من الشعر المهفهف التي تتباهي به فتيات الفضائية الأرترية ويمّيلنها ذات اليمين وذات الشمال، فمنبتها أرض يعرب وقحطان فلم الجحود والنكران؟ وملابس المئزرين والخناجر المربوطة في الخواصر من رأس دميرا إلي رأس قصار تراث مشترك مع أرض يعرب وقحطان ، فلم الجحود والنكران ؟ والأنجيرة أو اللحوح  والحلبة التي لا تخلو منها الموائد هي من التراث المشترك مع أرض يعرب والقحطان ، فلم الجحود والنكران ؟ والعمة الملونة الصغيرة التي يلبسها واصف العرب بالعربان ويفتخر بها هي تراث مشترك مع أرض يعرب وقحطان فلم الجحود والنكران؟ وموقع أرتريا في هذا المحيط العربي الجغرافي جعلها تتصاهر مع أرض يعرب وقحطان ، ولم تكن عروبتها  محصورة في أصولها الإثنية ولكن بمقوماتها الإنتمائية فلم الجحود والنكران؟إن ما يربط أرتريا من التاريخ والجغرافية والثقافة والتراث والعادات والتقاليد  ببني يعرب أكثر مما يربط غيرها من البلدان العربية فلم الجحود والنكران؟

أثيوبيا اليوم جارة مسالمة وإعترفت بإستقلال أرتريا بعد حرب قاسية معها ، وعندما كان من يحكمها جائرا مستبدا وإعتدي علي أرضنا وتراثنا وثقافتنا وإقتصادنا وأمننا وصادر حقوقنا الإنسانية ، فقتل رجالنا وشرد اطفالنا ونسائنا وهدم بيوتنا ودورنا وأثاثنا ، وقصف بطائراته مواشينا وأحرق مزارعنا وحقولنا، ودفعنا في ديار التشرد واللجوء ، كانت أول طلقة قدمت لثورتنا لندافع بها عن أنفسنا وقضيتنا كانت من بلاد يعرب وقحطان ، ولما عجزنا عن إستخدامها فتحوا لنا أبواب كلياتهم العسكرية لنحسن إستعمالها،فلم الجحود والنكران؟ وعندما وجدونا في العراء فتحوا لنا صدورهم وبيوتهم وإستقبلونا بشعور الإنتماء، فلم الجحود والنكران؟ولما سادت الأمية أطفالنا أعطونا المنح الدراسية وفتحوا لنا أبواب مدارسهم وجامعاتهم ،وبنوا لنا المدارس في كل أماكن توجدنا ، في معسكرات اللجوء فلم الحجود والنكران؟ وعندما إحتاج بعض أطفالنا للرعاية الخاصة فتحوا لنا قرية حنان في أرض الجزيرة في السودان، فلم الجحود والنكران؟ وعندما اشتدت بنا الأمراض وفتكت بنا فتحوا لنا المستشفيات والمستوصفات داخل مدن السودان، فلم الجحود والنكران ؟

وقتها أيها الناكرون المكابرون ، لم يكن هناك إستقلالا تتبجحون به ، ولم يكن هناك حاكم أرتري مستبد إسمه إسياس ، كانت حياة النضال جحيما قذفتنا بلهيب نيرانها ، أحرقت فيها قرانا ودمرت فيها مدننا ، وشوت رجالنا وأحرقت نساءنا وكوت أطفالنا ، فلم يمسح دموعنا إلا أهل يعرب وقحطان، فلم الجحود والنكران؟ ولما إشتد الصراع وجاءت أمريكا وغربها لحساباتهم بمعوناتهم العسكرية والإقتصادية وليس دعما لإستقلالنا ، ظن بعضنا جاء أحبابه ومن يشعر إليهم بالإنتماء  لمساعدتنا ، لذا استقوي وقال أنه هو صاحب القوة التي لا تقهر وصاحب الإقتصاد الذي لا ينهار ، وسقطت في فخه جريدة الراية التي كانت تملكها الجبهة الإسلامية القومية في السودان مخدوعة فوصفت القوة الإقتصادية للجبهة الشعبية بيابان أفريقيا القادم، ووقف أفورقي مغرورا متعصبا ينعت  بلاد العروبة باشد وأقبح النعوت ، وخاطب المواطنين وقال من يعتقد أنه عربي أو العربية لغته ، فعليه أن يعبر هذا البحر ، فلم الجحود والنكران ؟ ومع هذا أقاموا له أبراج الكهرباء في مصوع الذي دمرته أثيوبيا , وأقاموا له طريق عصب مصوع، وأنشاءوا له الفضائية التي يتباهي بها ودربوا له كوادرها، فلم الجحود والنكران ؟ وعندما زالت النشوة وزالت السكرة وعادت الحبيبة أمريكا كما كانت إلي مواقعها السابقة أمنة سالمة غانمة  وقف أفورقي حائرا إلي أين يسير؟ وسقطت كل أكذوبة كان يحملها في فكره؟ بعد أن أزفت به الآزفة ، فدفعه ذاك الشعور والإحساس والإنتماء الداخلي بالعروبة  الذي يقاومه ويحاربه نفسيا، إلي ليبيا ليتدفق منها بترولها إليه ، وإلي السودان العدو ليتدفق منه معوناته اليه ، وإلي قطر والكويت والأمارات تتدفق منهم أموالهم إليه ، لم يفكر الذهاب إلي نيجيريا ولا إلي أفريقيا الجنوبية ولا إلي بلجيكا ولا إلي بريطانيا لأنها دولة غنية تعينه  ، لأنه أيقن أن هناك الخذلان لإنعدام التاريخ والجغرافية وهذا الإنتماء ،  هذا هو الإنتماء العربي وهذا هو الشعور الباطني الخفي الذي يظهر ساعة الحقيقة ،ورغم الجراحات هذا الشعور المتبادل كان هو القاضي الحاكم ،فلم الجحود والنكران؟

أثيوبيا الأبعد في تأريخها العروبي تنازلت تدريجيا عن أحقادها وتعصبها وكراهيتها السابقة للعرب ، وقدمت مصالحها المشتركة وما يربطها من إرث تأريخي بهم فأغرقت نفسها بمليارات بني يعرب لتشق طريقها إلي التنمية والتقدم،وتفاجئ أديس ابابا زائريها كأنها عاصمة عربية تتلألأ ، ودول الجوار فعلت ذلك ، إلا أن أرتريا الغارقة في أكوام الأحقاد والتعصب والكراهية للعرب والعروبة ، قامت بتصفية من كان فيها من بني يعرب ممن كانوا يملكون الأموال وشردتهم وصادرت أموالهم ،ووضعت أكوام الأحقاد تحت الوسائد وكلما كانت حاجة في مثل هذه الورش واللقاءات والإجتماعات والمؤتمرات أخرجوا من تحت تلك الوسائد شيكات الحقد عديمة الفائدة وغير القابلة للصرف ، ينفوا بها تاريخهم الوثيق بالعروبة وبالجغرافيا والمصالح والثقافة والتراث والعادات والتقاليد المشتركة ، أرتريا أول دولة تستقبل هجرة الصحابة المسلمين من مكة المكرمة، وهي أول دولة بني فيها الإسلام  مسجدا وهذا مصدر فخر وإعتزاز، ولكن الكراهية والتعصب والحقد هو الذي يدفع إلي هذا الجحود والنكران .

ومن خلال هذا الحقد والتعصب والكراهية هناك من يريد إقتطاع جزء من الجغرافيا وهي أرتريا ليهرب بها  ويزرعها في قلب أوروبا المحبوبة، ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك ، وهناك بالحقد والتعصب والكراهية من يريد أن يقطع جزء من أرض الجغرفيا وهي ارتريا ويهرب بها ويزرعها في شواطئ أميركا المعشوقة، ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك، يمد ذراعيه ورجليه الي هناك متجاوزا التراب والتلال والجبال والأشجاروالغابات  والأنهار والبحار ليشفي غليله ، ولكنه لم ولن يستطع أن يفعل ذلك ، فهناك ينعدم التاريخ وتنعدم الجغرافيا.

 فبقليل من المحبة وبقليل من التعصب والكراهية للعرب والعروبة يجعل أرتريا يأكل شعبها سمكا بدل أن تأكله الأسماك في البحار، ولكنه الحقد القاتل والنكران الجاحد لما قدمته العروبة للثورة عبر مسيرة نضالها الطويل ،وكان صندوق تنمية واحد منهم كافي  بأن يجعل منها في مصاف الدول النامية ، يجب عليهم أن يدرسوا هذا الحقد الذي لا يحده حدود وأسبابه ، ولكن في النهاية  سوف يأتي المتغطرسون  طائعين أو كارهين إلي العروبة لأن مصالح ارتريا بالعروبة ستجبرهم ، ولأن لسان حال الشعب الأرتري الذي يئن من عنجهيتهم  يقول :

بني العروبة إن الله يجمعنا   ولا يفرقنا في الأرض إنسان

لنا بها وطن نلوذ به   إذا تناءت مسافات وأوطان

وغدا الهلال صليبا في توحدنا   وجمع القوم إنجيل وقرءان

شعر : الأستاذ علي الجارم

شاهد أيضاً

إسياس أفورقي والعبث المستمر !

إسياس أفورقي والعبث المستمر !

في المقابلة الاخيرة لرأس النظام التي لا ندري دوافعها غير أنها كانت استمرار للعبث الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *