Web Analytics Made Easy - StatCounter

بروفايل العدد – الشيخ الشهيد إدريس محمد آدم:

رئيس البرلمان الإرتري في العهد الفيدرالي ومؤسس جبهة التحرير الإرترية

ولد الشيخ المناضل إدريس محمد آدم مندر في مدينة أغردات بالمديرية الغربية في إرتريا في العام 1922م، وانتقل مع أسرته (والده ووالدته وأخيه آدم) إلى مدينة القضارف بشرق السودان، حيث التحق والده بأورطة العرب الشرقية (الجيش السوداني في ذلك الوقت).

تلقى الأخوين آدم وإدريس التعليم الابتدائي بالإضافة الى التعليم الديني، التحق بعدها أخيه الأكبر آدم بمدرسة صناعية في الخرطوم وبقي إدريس مع والديه بالقضارف.

عاد الشيخ إدريس مع والديه إلى مدينة أغردات في عام 1936م، فواصل تحصيله الديني على يد الشيخ إدريس علي الحسين، وتعلم بجانب ذلك اللغتين الإيطالية والإنجليزية لدى مدرسين آخرين في نفس المدينة، ثم التحق في العام 1945م بوظيفة كاتب في محكمة أغردات.  

شارك بفعالية في الحركة الوطنية منذ نشأتها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان من الأعضاء المؤسسين لحزب الرابطة الإسلامية. وبفضل هذا النشاط وعلاقاته الاجتماعية الواسعة، تم انتخابه في العام 1952م عضوا في البرلمان الإرتري وفاز بعد ذلك بثلاث أعوام برئاسة البرلمان إثر ضغط من القوى الوطنية التي رشحته للمنصب في تحدٍ واضح لحكومة هيلى سلاسي.

خلال فترة رئاسته للبرلمان نجح الشيخ إدريس محمد آدم في الحفاظ على الدستور واستقلالية الحكومة الإرترية وفق النظام الفيدرالي ووقف حجر عثرة في وجه مخططات الحكومة الإثيوبية التي كانت تسعى لإلغاء النظام الفيدرالي وضم إرتريا إلى الإمبراطورية الاثيوبية.

ومن ضمن مواقفه الحاسمة في تلك الفترة، ما أورد الدكتور محمد خير عمر في كتابه: “ديناميات حلم أفريقي لم يكتمل” (ص 124): (1)

“حول موضوع اللغات،  روى السيد زودي رتا،  بأن السيد اسفها ولدى ميكائيل كان قد شكل لجنة برئاسة السيد تسفا يوهنس برهى، رأت أن توصي البرلمان الإرتري بأن يعتمد التقرنيا والأمهرية لغتين رسميتين في إرتريا. ولأنهم توقعوا أن يأخذ السيد إدريس محمد آدم، الذي كان رئيسا للبرلمان، بوصيتهم، أبلغوه عن نيتهم تلك مسبقًا. غير أن إدريس محمد آدم نبه جميع فروع الرابطة الإسلامية بذلك، ولخيبة أمل أسفها وبرهي، كان هو أول من عارض الاقتراح في البرلمان، مما أدى إلى سحب الاقتراح”.

نجحت حكومة هيلى سلاسي وعملاؤها في البرلمان في 3 يونيو 1956م من عزل الشيخ إدريس محمد آدم من رئاسة البرلمان مستخدمة أساليب التهديد والترهيب تجاه أعضاء البرلمان بعد أن فشلت في استمالته إلى صفها ودفعه للتخلي عن مبادئه الوطنية ومواقفه المناوئة لسياساتها العدوانية. وأدى خروجه من رئاسة البرلمان إلى ردة فعل قوية لدى الشعب الإرتري وقواه الوطنية الفاعلة التي التفت حوله ودعمت صموده وتحديه للإمبراطور هيلى سلاسى وأطماعه التوسعية.

عند تولي أسفها ولد ميكائيل منصب الرئيس التنفيذي لإرتريا في 15 سبتمبر 1955م وكانت مهمته تفكيك آليات الحكم الفيدرالي في إرتريا، فأجرى العديد من التغييرات التي هدفت لإضعاف هياكل وآليات وقوانين الترتيبات الفيدرالية وكل ما يمت لها بصلة، وكان إبعاد الشيخ إدريس محمد آدم عن رئاسة البرلمان أحد تلك الأهداف. وفي نفس العام تم اعتماد الأمهرية لغة رسمية، وكبتت حرية الصحافة ومنعت الأحزاب السياسية والنقابات.  وفي 1958م ألغى الختم الرسمي لإرتريا وشارات البوليس، وأُنزل العلم، واستبدلت القوانين الإرترية بالإثيوبية في سبتمبر 1959م وفي مايو 1960م استبدل مسمى الحكومة الإرترية بالإدارة الإرترية.

في ظل هذا التغول الإثيوبي السافر على منظومة الحكم الفيدرالي وما صاحبه من صمت من الدول المعنية والأمم المتحدة، قرر قادة الحركة الوطنية في العام 1959م تكليف الشيخ إدريس محمد آدم والشيخ إبراهيم سلطان علي – سكرتير حزب الرابطة الإسلامية – بالقيام بعرض قضية الشعب الإرتري للدول العربية والإسلامية والرأي العام العالمي. وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف تم “تهريبهما” لخارج الوطن عبر السودان في سرية تامة وبالتعاون مع أبناء المجتمع من العسكريين في الجيش السوداني إلى القاهرة حيث تم قبولهما كلاجئين.

وهكذا في يوليو 1960م تم تأسيس جبهة التحرير الإرترية في القاهرة، برئاسة الشيخ إدريس محمد آدم، وعضوية السادة طه محمد نور، سعيد حسين، إدريس عثمان قلايدوس، سيد أحمد محمد هاشم، محمد صالح حمد، سليمان محمد أحمد، إبراهيم أحمد (الملقب ببليناي)، آدم محمد علي أكتي، ومحمد سعيد عنططا، كأول تنظيم ثوري يرفع شعار الكفاح المسلح في إرتريا حيث أطلق شرارته القائد الشهيد البطل حامد إدريس عواتي على رأس الطلائع الأولى للثوار في جبال أدال بالمنطقة الغربية في 1 سبتمبر 1961م.

وفي اجتماع التأسيس تقرر إرسال وفد إلى داخل إرتريا لشرح أهداف التنظيم الوليد، ووفد آخر للبلدان الصديقة، وأيضا تم تكليف الرئيس بالاتصال بالقائد الشهيد حامد إدريس عواتي نسبة لعلاقاته السابقة معه، حيث يروي السيد غونتر شرودر (2) بأن الشيخ إدريس أشار إلى أن القائد حامد عواتي كان قد زاره عندما كان رئيسا للبرلمان وأفاده بأن الوضع في البلد يزداد سوءًا ولا بد من القيام بشيء ما. إلا ان الشيخ إدريس طلب منه عدم الاستعجال، ثم زاره في أغردات في شهر يونيو 1956م بعد تنحيته من رئاسة البرلمان، ومرة أخرى طلب منه الشيخ إدريس الحرص من بدء كفاح مسلح بعدد قليل من المناضلين تفاديا للفشل منذ البداية.

بعد تأسيس الجبهة وقبل انطلاقة الكفاح المسلح، قام الرئيس بحملة مكثفة لحشد الدعم العسكري والمادي والسياسي ولكسب التأييد للقضية دوليا، حيث زار ومعه الشيخ إبراهيم سلطان المملكة العربية السعودية، وقابلا الملك سعود وولي عهده الأمير فيصل.

وفي زيارة لاحقة للشيخ إدريس إلى السعودية في عام 1960م، قابل لأول مرة المناضل الشهيد عثمان صالح سبي الذي كان متجها إلى باكستان، وبعد اللقاء اتفقا على صرف النظر عن السفر إلى باكستان، وعوضا عن ذلك الاتجاه معا إلى الصومال.

 يذكر أنه في المرحلة الأولى بعد التأسيس، كان المجلس الأعلى مكونا برئاسة الشيخ إدريس محمد آدم وعضوية المناضلين عثمان صالح سبي وإدريس عثمان قلايدوس، وفي مرحلة لاحقة في شهر أغسطس 1967م أضيف للمجلس الأعلى كل من المناضلين طه محمد نور، عثمان خيار، محمد صالح حمد، سيد أحمد محمد هاشم، وأخيرا استدعي السيد تدلا بايرو من السويد وتم تعيينه نائبا لرئيس المجلس الأعلى.

أول إنجاز مهم للقيادة كان تأسيس جمعية الصداقة الإرترية الصومالية في عام 1961م، من أجل التعريف بالقضية الإرترية في العالم. وكانت الصومال تمنح قيادات الجبهة جوازات سفر دبلوماسية للتحرك بها حول العالم.

وضمن الجهود الدبلوماسية، قدم المناضلان إدريس محمد آدم وعثمان صالح سبي شرحا مفصلا عن القضية في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس بموجب دعوة من الفلسطينيين، كما اجتمعا بالملك حسين ملك الأردن الذي وعدهما بالمساعدة. وفي زيارة لهما للكويت قابلا أمير الكويت ووزير خارجيته، وأيضا زارا كل من البحرين ولبنان. 

أما العلاقة الناجحة بدرجة كبيرة فكانت مع سورية، حيث قابلا رئيس الجمهورية ناظم القدسي، الذي اعترفت حكومته بإرتريا رسميا، وسمحت بفتح مكتب ووعدت بالتدريب العسكري للمناضلين. وقد فتحت هذه العلاقة المجال مع العديد من الدول، حيث كان مكتب سورية نقطة الانطلاق و التواصل مع السفارات المعتمدة فيها.

وفي عام 1966 قاما بزيارة الصين حيث قابلا الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ ورئيس الوزراء تشو ان لاي، ونتيجة لهذه الزيارة وفرت الصين تدريب الدفعة الأولى المكونة من 5 مناضلين، وتواصلت زيارات وفود الجبهة بعد ذلك وتم تدريب دفعة أخرى من 21 مناضلا.

استمر الشيخ إدريس محمد آدم في رئاسة المجلس الأعلى للجبهة حتى1969م، حيث تم عقد المؤتمر العسكري الذي برزت منه القيادة العامة كقيادة في الميدان والتي حلت المجلس الأعلى، ودعت إلى مؤتمر وطني، وكان الشيخ من ضمن من لبوا النداء وشاركوا في المؤتمر الوطني الأول في عام 1971م الذي انتخبه رئيسا للمجلس الثوري.

واصل الشيخ إدريس محمد آدم نضالاته إلى حين انعقاد المؤتمر الوطني الثاني للجبهة في عام 1975م والذي شارك فيه وسلم الأمانة حيث قرأ الصورة بحكمة وقرر عدم الترشح للقيادة ليفسح بذلك المجال أمام جيل جديد من القادة لحمل الراية وإكمال المسيرة حتى التحرير. وبهذا المسلك النبيل أرسى قيمة نضالية عالية لمفهوم تداول السلطة في ساحة العمل الثوري الإرتري، ومم يحسب له عدم سعيه لإنشاء كيان بديل للجبهة التي قادها منذ التأسيس رغم الظروف التي كانت مهيأة له لتأسيس البديل، أول الانتقال الى تنظيم آخر.

استمر الشيخ الشهيد حتى آخر أيامه متمسكا بقضية شعبه ومؤمنا بعدالتها ووفياً للقيم التي سقط آلاف الشهداء دفاعا عنها، ورغم المرض وطول الغربة عن الوطن احتفظ الشيخ بثقته في انتصار الشعب الإرتري، فكان من أوائل المشاركين في الاستفتاء على استقلال إرتريا في عام 1993م.

والجدير بالذكر إنه لم يساوم برصيده النضالي وكان له موقف مشرف من نظام الهيمنة القومية بعد التحرير، حيث رفض الدعوة التي قدمها له اسياس للدخول إلى اسمرا وحضور إعلان الاستقلال ولم ينجر خلف مناورات نظام الجبهة الشعبية التي كانت تسعى – كما اتضح لاحقاً – لتحقيق مكاسب سياسية مرحلية عبر استمالة رموز النضال الإرتري.

في 28 أغسطس 2003م وبعد صراع طويل مع المرض توفي الشهيد في جدة ووري جثمانه الطاهر الثرى في مقبرة المعلا بمكة المكرمة بالقرب من البيت العتيق – وفاءً لآخر وصاياه – بعد أن أقيمت صلاة الجنازة عليه في الحرم المكي عقب صلاة الجمعة في الأول من رجب 1424هـ الموافق 30 أغسطس 2003م، ومم يحز في النفس إن الشيخ الشهيد – مثله مثل بقية رفقاء دربه من المناضلين – لم تتسن له فرصة العودة إلى أرض الوطن الذي ناضل من أجله طوال حياته وكان يتمنى أن يكون وطنا يسع الجميع.

وهذا غيض من فيض من سيرته العامرة بالمواقف المشهودة التي حفظها له التاريخ.

ألا رحم الله الشهيد المناضل إدريس محمد آدم وأسكنه فسيح جناته، بقدر معين عطائه اللامحدود ونضالاته الثرة.

——–

(1)

Dr. Mohamed Kheir Omer -  “The Dynamics of an Unfinished African Dream ” Pg.124

“On the issue of languages, Zewde Retta recounted that Asfaha Woldemichael formed a committee chaired by Tesfayohannes Berhe which recommended to the Eritrean parliament for Tigrinya and Amharic to be the official languages in Eritrea. they expected Idris Mohamed Adem, who was the chair of the parliament, would follow their recommendation and so informed him about their intention in advance. Idris Mohamed Adem, however, alerted all branches of the Muslem League and, to the disappointment of Asfaha and Berhe,  was the first to oppose the motion in parliament, leading to the motion being withdrawn".

(2)

Dr. Mohamed Kheir Omer - “The Dynamics of an Unfinished African Dream” Pg.145

The chairman was entrusted with the task of  contacting Hamid Idris Awate (HIA) to begin the armed struggle. Idris Mohamed Adem (IMA) indicated to Gunter Schroder that Awate came to visit him, when he i.e Idris was the chairman of the Eritrean Parliament and told him that the situation in the country was getting worse and that something must be done. IMA advised Awate not to rush, indicating the possibility of a peaceful resolution. Awate again visited Idris in June 1956 in Agurdat after the latter was removed from the chairmanship of the Parliament. Again, Idris advised caution and told Awate not to initiate an armed struggle with just a few
people around to avoid failure at the outset.

-
نقلا عن مجلة الناقوس الثقافية العدد السادس

شاهد أيضاً

مقابلة مع الأستاذة آمنة فكاك، مسئولة الشئون الإنسانية برابطة أبناء المنخفضات الإرترية ـ الجزء الثالث

حاورها عبر الأثير محمود عمر أفندي هناك الكثير من التحليلات حول اتفاق السلام المزعوم بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *