اغتيال الحلم ..

تمر اليوم ذكرى استقلال بلادنا عن الاحتلال الإثيوبي، وقبل كل شيء، تُعد هذه المناسبة سانحة مناسبة لنعبر خلالها عن الوفاء لقوافل الشهداء منذ انطلاقة الكفاح المسلح بقيادة الشهيد القائد حامد ادريس عواتي ورفاقه وحتى تحرير الارض، الذين وهبوا أرواحهم في سبيل استقلال الوطن وعزته وكرامته ورخاءه وازدهاره، فلنترحم على أرواحهم الطاهرة، ونسوق إليهم بهذه المناسبة تحية إجلال واكبار.
بين يدي ذكرى الاستقلال الـ(27)، يقف الوطن مأزوماً حتى النخاع جراء سياسات النظام المُتهالك روحًا وجسدًا، ناظرًا إلى المستقبل الغائم بعيون حائرة تائهة، لا يقوى على الحلم ولا يمتلك ترف الانتظار، ليرى ما ستحمله مقبل الأيام. للأسف إن ذاكرة إرتريا/ الوطن خلال الـ(27) سنة الماضية مشحونة بالحروب والقتل والفقر والتشريد والنزوح والفساد والإقصاء والتهميش والقمع الممنهج، وهي كذلك ذاكرة الهزائم الأخلاقية والتفكك الاجتماعي والنخب الهاربة من مواجهة هذه الذاكرة المثخنة بكل ما يحطم الحلم بوطن مستقل يصون كرامة مواطنيه.
إن احتفالنا اليوم، يصبو إلى إعادة الاعتبار للاستقلال، بالنضال الدائم والمستمر للتصدي للهيمنة القومية واحترام التعدد الإرتري، وتأسيس دولة القانون والحريات والتعددية السياسية والحقوق المدنية والأساسية، كالتعليم والصحة والسكن والعمل والأمن والعدالة والمساواة، وتقاسم عادل للسلطة والثروة بين جميع مكونات الوطن.
ولأن إعادة الاعتبار للاستقلال عملية لا تتوقف، كونها نضالاً يوميًا لا ينتهي، والتزامًا مبدئيًا لا رجعة عنه، إذ افضت السنوات العجاف من عمر الوطن إلى غياب المعنى الحقيقي للاستقلال، لذا كان لِزامًا علينا تعميق مفاهيم ومضامين ومعاني الاستقلال في النفوس والضمائر والعقول، وذلك بما يعنيه من حقوق لأهل هذه البلاد.
ونحن إذ نشدد على ضرورة تحقيق الاستقلال الثاني من خلال حق “استعادة الحرية والكرامة الانسانية”، علينا أن نرفع هذا الهدف عاليًا ونجعله في مقدمة كل شعاراتنا دون مواربة أو خشية.
في دولة الاستقلال والحرية والكرامة لا يُساق الناس إلى السجون زرافات ووحدانا بسبب “جريمة” المعارضة السلمية المشروعة!، ولا يوقفون بدون إصدار مذكرات قضائية، ولا يستجوبون بدون حضور محامييهم أو موكليهم، ولا تُمنع عائلاتهم من زيارتهم، ولا يُحرمون من زيارة الطبيب خصوصًا إن كان المرض مُزمنا والحالة حرجة، ولا يُعاقب البريء منهم بحق “القريب” المُدان – بدون محاكمة أو دليل- بأنه مجرم عتيد، ولا يُضطر الناس إلى الاختفاء والفرار من خوف عدالة “السلطان” و “مذكرات” الاعتقال والمحاكمات الغيابية و”الحراسة النظرية” .
ذلك كله، إنما يحدث في دولة “الإستغلال” والانتهازية والبراغماتية الذاتية…الدولة التي تجعل “الخارج” أولى من الداخل، والغريب “الدخيل” أولى من القريب الأصيل، الدولة التي تجعل من تقسيم الثروة على المقربين من الحاكم والمتحالفين معه ديدنا لها، وتعمل على اقصاء الآخرين من أبناء الوطن .
ورغم ما قيل عن حقيقة استقلال البلد فإن البعض، في ظل الظروف الحالية، يتساءل: “ أيعقل ان يكون المُحتل الأثيوبي الغاشم، الذي كانت له حسب البعض “حسنات ” إذ سمح للمواطنين بممارسة جزء من حرياتهم، أفضل من “الاحتلال” لنظام الهيمنة القومية الذي يتمترس خلف الشعارات الوطنية مُستخدمًا بعض النُخب الفاسدة والانتهازية التي أزكت جذوة المحسوبية وجعلت الوطن “سجنا كبــيـــــرًا”…وقضت على أخضر الوطن ويابسه، وباعت الطير في الهواء والسمك في الماء.
في مثل هذا اليوم، لابُدّ لنا من التوقف عند الدور والمناخ السالب الذى انتجته سياسات نظام الهيمنة القومية، عبر الكثير من الممارسات الطائفية والجهوية والأثنية التي تمثل أحد أهم الركائز التي يتكئ عليها بُغية احتكار السلطة، ولا نبالغ إذا اعتبرنا النظام المُهدد الحقيقي للوحدة الوطنية عبر انتهاجه هذه السلوكيات، والتي حتمًا ستولد ردود أفعال مضادة قد لا تُحمد عقباها حال انفرط العقد.
إن عمليات اقصاء وتهميش أبناء المكونات غير مكون التقرنية وإبعادهم عن المشاركة في السلطة والثروة، إنما هي استراتيجية ممنهجه لتنظيم الجبهة الشعبية، ابتدأها إبان فترة الكفاح المسلح وخطط لها بالاغتيالات تارة وبالتهميش والاختطاف والتهديد والسجن مرات عديدة، وظلت “الشعبية” ماضية بذات العقلية بعد الاستقلال، حيث دأب حزبها :” الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” (هقدف) على مواصلة ذات النهج مُتسلحًا هذه المرة بأدوات الدولة ومقدراتها، فاحتكر السلطة وصادر حق الآخرين في المشاركة عبر رفضه لوضع آليات دستورية تعمل على إدارة الانتقال الآمن للسلطة، والتي بدروها تسن القوانين المُنظمة والحاكمة للعلائق بين الكيانات السياسية والمدنية في الدولة، بل ذهب إلى أكثر من ذلك فمارس سياسية التشريد والتهجير واستولى على أراضي مجتمع المنخفضات بغية إحداث تغيير ديمغرافي لصالح قومية ” التقرينية” خصمًا على بقية المكونات الإرترية، كما عمل على إفراغ البلاد من أي وجود آخر يعتبره خطرًا على مشروع الهيمنة القومية أو على بقاءه في السلطة.
من المؤسف حقًا أن تجد من بين النخب الإرترية من ينافحون عن هذه الممارسات المريضة بحجج واهيه، منها الدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة الأرض والمصير المشترك. إن هذا التناقض في دور النخب السياسية الإرترية التي انخرطت في مشروع الـ”هقدف” يبدو مثل خلل في التصنيع، وليس مجرد عطب قابل للإصلاح، لذا تجد كثيرون ممن تم الاستغناء عن أدوارهم المرسومة مسبقًا، وبعد رحلة هروبهم المضنية، يستميتون دفاعًا عن ” الشعبية” عبر ليَ عنق الحقائق وتحميل رأس النظام بمفرده مسؤولية الفشل الذريع والمريع على جميع الأصعدة، فيحاججون بأنه اختطف منهم مشروعهم الوطني وجيرّه لصالحه، وانحرف به عن مساره، يريدون بذلك الهروب من مسؤوليتهم عن الأوضاع المزرية الماثلة الآن.
مخطئٌ يا سادتي من يظن إن الاستقلال مجرد علم يرفرف و”جوقة” موسيقية تصخب، ونشيد “وطني” يُردد، حتى إذا تعارض مضمونه مع نهج “مستمعيه وعازفيه”. إنه الحلم بالحياة والأمل والمستقبل، إنه الاطمئنان والأمان والطموح، إنه العزة والكرامة والحرية والسلام والحب، إنه الاستقلال بكل معانيه.
وأخيرًا، يحق لكل مواطن بل يجب عليه الاحتفاء بـعـيد استقلال بلده من حيث تحرير الارض، أو ما يعرف باليوم الوطني، إذ أن “للأوطان في دمِ كل حرٍ/ يدٌ سلفت ودينٌ مستحقُ”، لكن قد يخلط المواطن أو يُخلطَ له بين الاستقلال والاستغلال، عن سوء فهم أو سوء نيِّة، فيحتفل بما لا يريده ولا يحبه.
حفظ الله البلاد وجنبها كل مكروه و”أشرك” أهلها في خيراتها وجعلها آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ويؤوب إليها أبنائها فتستقبلـهم بدفء الأمومة وحنانها، ويغادرونها فتودعهم وداع “ابن زريق”، وتقرأ عـلـيـهم” دعاء موسى والخضر”….عيد استقلال مبارك، وكل عام وأنتم وإرتريا بألف خير.

هيئة التحرير

.

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *