مواضيع الناقوس-العدد 11- مقابلة العدد مع المناضل/ عبدالله سعيد علاج

الجزء الأول

أجرى الحوار: الصحفي محمود أفندي

 

تحاور مجلة الناقوس المناضل الكبير عبدالله سعيد ادريس المشهور بعبدالله علاج،الذي يروي يوميات اعتقاله التي قضاها متنقلا في سجون الاستعمار الاثيوبي الغاشم بين عامي1973و1975م. في هذا التجوال سيحدثنا عن أسباب الاعتقال ووصف لأبرز المشاهد والمواقف والمفاجأة ومرارة التعذيب خلال فترة الاعتقال.

 

عندما بدأت رحلة الاسئلة عن قصة اعتقال المناضل عبدالله علاج التي مضى عليها خمسون عاما في معركة غير متكافئة بين جيش كامل العدة والعتاد وبين مجموعة لا يتجاوز قوامها خمسة مناضلين سلاحهم الإرادة، يسقط أحدهم شهيداً والمناضل عبدالله علاج جريحا في الدقائق الاولى من عمر المعركة.

أمر المناضل علاج رفاقه بمغادرة المكان وتركه في المكان ديدن مقاتلي جيش التحرير حتى لا يحصل العدو على المستندات والمطبوعات التي كانت بحوزتهم، والحفاظ على سلامة رفقاء الدرب.

من هنا تبدا حكاية الاعتقال ومن هنا تدفق سيل الإجابات، ولكن الحقيقة لم تكن مجرد مقابلة عادية يمكن حصرها في أسئلة واجاباتها فحسب، بل كانت غوص في ذاكرة مناضل بدأت تنساب مسترسلة بسرد أحداث رواية مليئة بالأحداث والمفاجآت التي مرت عليها أعواماً عديدة، منذ الاعتقال حتى لحظة الافراج الاجباري الذي اقتحم فيه أشاوس جبهة التحرير الإرترية سجن سمبل واطلاق سراح جميع من فيه.

 

عزيزي القارئ هذه دعوة لمتبعة الحوار فإلى مضابطه:

 

  • من هو المناضل عبدالله علاج وحكاية الالتحاق بالثورة؟

 

في البداية اشكركم لإتاحتكم لي فرصة هذا اللقاء …

عبدالله سعيد ادريس المشهور (علاج) من مواليد مدينة كرن درست فيها حتى المرحلة المتوسطة ثم التحقت بجبهة التحرير الارترية في العام ١٩٦٥م، وشاركت في دورة عسكرية بالصين في عام 1968م.

 

  • حدثنا عن فكرة الالتحاق بالثورة بتفصيل أكثر؟

كنت مثلي مثل شباب تلك الحقبة اتابع عن كثب التطورات السياسية التي كانت تمر بها البلاد، والوضعية المزرية التي كان يعيشها شعبنا من اعتقالات وخطف واستبداد وضرب المواطنين العزل من قبل القوات الاثيوبية الغازية التي كانت تنتشر في كافة المدن الارترية بكثافة، بالإضافة الى أن هذه الفترة شهدت انزال العلم الارتري الذي اثار غضب الجميع، وكانت كل هذه الأسباب هي التي جعلتنا نثور ونشارك في المظاهرات الطلابية وغيرها من الاحتجاجات السلمية في تلك المرحلة.

كما لا ننسى بأن الوضع في مدينة كرن كان مشجعاً بسبب وجود الحراك الثقافي والسياسي من قبل شباب المدينة ومتابعتهم لحركات التحرر في القارة الافريقية خاصة الدول القريبة منا والمنطقة العربية بصفة خاصة، وعلى المستوى الشخصي فقد تعرض والدي للاعتقال اكثر من مرة، هذه الأسباب مجتمعة وغيرها كان لها التأثير الكبير في التحاقي بصفوف الثوار.

  • ما سر هذا اللقب (علاج) مع انك رجل هادئ وقليل الكلام وهذا اللقب كثيرا ما يطلق على الاشخاص المشاغبين ان صح التعبير؟

هذا اللقب في الاصل هو لقب اشتهر به والدي في أوساط مدينة كرن، واستمر مع الاسرة إلى يومنا هذا، ويمكن من يعرف مدينة كرن يعلم أنها المدينة التي يشتهر سكانها بالألقاب، وقد يسهل حصر من ليس لديهم ألقاب.

 

  •  لندخل مباشرة إلى صلب اسئلتنا التي اسلفنا بأننا سنخصصها عن الاعتقال؟  كيف ومتى واين حدث؟

 

قبل الاجابة عن السؤال أسمح لي أن أتحدث عن الاجواء التي سبقت الاعتقال، حيث كانت الثورة تمر بظروف حساسة وبالغة التعقيد في تلك المرحلة نتيجة للانقسامات التي حدثت بعد المؤتمر الوطني الاول وظهور تنظيمات موازية لجبهة التحرير الإرترية، الامر الذي جعل الجبهة تتخذ قرار بالانتقال الى الساحل، ولهذا كنت مع  أربع من المناضلين في مهمة  عمل بضواحي مدينة أغردات مرورا باتجاه  قرية (غلاس ) القريبة من كرن للبحث عن اسلحة وذخائر، وكذلك كان ضمن مهامنا تمشيط المنطقة حتى (رورا بيت قبرو )عبر سلسلة جبل اراويت نظرا لعدم تواجد قواتنا في هذه المناطق.

وبينما نحن في طريقنا لرورا بيت قبرو استلمنا اشارة مفادها الذهاب لمقابلة المناضل همد كلُّ عضو اللجنة التنفيذية الذي كان موجوداً بالقرب من (غلاس) وبالفعل تم اللقاء وناقشنا معه قضايا كثيرة متعلقة بالعمل، وأذكر هنا أنه كان معه المناضل فظوم قبر سلاسي مسؤول الاعلام، حيث تم تكليفنا بان نصطحب معنا المناضل الملقب (بإسرائيلي) الذي كان بدوره مكلف بإيصال بعض المطبوعات الي اسمرا.

انتهت مقابلتنا مع المناضل همد كلُّ، وتوجهنا الى التل الذي يعرف (بشمبوب) للمبيت مع المجموعة والتحرك صباحا إلى (رورا بيت قبرو)، لكن شاءت الاقدار أن نستيقظ في الصباح تحت حصار من كل الاتجاهات حتى أعالي التلال المحيطة بنا بجيش مدجج بالأسلحة.

لم يكن الامر سهلا وما كان أمامنا سوى المباغتة بضرب الرصاصة الأولى التي لم يكن السبب منها لمجابهة هذا الجيش، بل كان الهدف من ذلك تنبيه المجموعة التي كان معها عضو اللجنة التنفيذية.

في هذه الاثناء انسكب علينا وابل من الذخيرة حيث أصابتني رصاصة أعلى الكتف الأيسر، واستشهاد المناضل بخراظيون. وقبل أن يغمى علي حاول المناضل بخيت أن يحملني على ظهره لإبعادي من المنطقة التي أصبحت مكشوفة، لكن أمرته بمغادرة المكان حتى لا يتحصل العدو على المطبوعات والوثائق الاخرى، وبالفعل غادرني مكرها ولم تراوده نفسه لكن كانا أمران احلاهما مُرُ.

 

  • هل حاولت أن تقاوم أو تختفي عن أنظارهم بعد الإصابة، أم يمكن القول انه في هذه اللحظة بدأت عملية الاعتقال؟ 

في الحقيقة هذه اللحظة كنت في حالة اغماء وفقد للوعي ويمكن القول أنها كانت لحظة بداية الاعتقال، ويبدو ان القوات الاثيوبية حملوني إلى أسفل الجبل والطريق المؤدي الى كرن، ولم استفيق إلا وأنا في المستشفى العسكري بمدينة كرن وكان ذلك في صباح يوم 13 فبراير 1973م.

في اليوم الثاني من الاعتقال تماثلت للتحسن إلى حد ما بعد أن تلقيت في هذا المستشفى الاسعافات الأولية،

وفي الحقيقة لم يكن اهتمامهم بمعالجتي منبعه دافع انساني من أجل انقاذ حياتي، بقدر ما كان أمراً ينتظره قادة جيش العدو بفارق الصبر من أجل الحصول على المعلومات عن جبهة التحرير. وكالمعتاد حضر اثنان من الضباط برتبة جنرال والآخر برتبة عقيد من أصول إرترية، وأجروا معي تحقيقاً جل أسئلته كانت تدور حول شخصيات وطنية إرترية أنكرت معرفتي بهم، وكذلك معلومات عن جبهة التحرير كنت ارفض الادلاء بها.

لم تكن حالتي الصحية على ما يرام  ولهذا تقرر نقلي لمستشفى عسكري بالعاصمة اسمرا، ومن محاسن الصدف كنت ضمن مجموعة يشرف على علاجها دكتور يوغسلافي اسمه اليكس، الذي لن أنساه أبداًً،  لأنه تعامل معي معاملة انسانية نبيلة إضافة لقيامه بإجراء  العملية الجراحية،  ولولا اهتمام هذا الدكتور ورعايته لربما تحولت الاصابة إلى شلل نصفي، وأذكر انه أحضر لي قميص من الصوف، لأنني حينها كنت عاري الصدر بعد ان مزقوا قميصي الذي كنت أرتديه بسبب الاصابة نسبة لتشربه بالدماء، لكن هذا القميص بالنسبة لي كان بمثابة  غطاء واقي منحني الدفء من طقس اسمرا البارد .

في هذا المستشفى بالرغم من رعاية الدكتور ارتفعت معنوياتي أكثر عندما شاهدت عدد كبير من جرحى جيش العدو يتوكأون على عكاكيز خشبية، واذكر أنهم كلما كانوا يمرون بالقرب من زنزانتي الانفرادية يصيحون بأعلى صوت …. جبهة …جبهة.. جبهة … على شكل تشفي، وهذا ما كان يرفع من معنوياتي رغم ألم الاصابة والتعذيب، لكنني كنت اشعر بالفخر والاعتزاز لأبطال ثورتنا الذين يكبدون هذا الجيش الجرار كامل العدة والعتاد الخسائر في الارواح والممتلكات.

 

  • ماذا حدث لك بعد نجاح العملية التي أجراها لك الدكتور اليوغسلافي؟

 

بعد ثلاثة اسابيع من اجراء العملية الجراحية حضر الى المستشفى إثنين من الضباط معهم رسالة مضمونها تحويلي الى سجن تابع لقوات الاسلحة الثقيلة في منطقة فورتو، وبالرغم من اصرار الدكتور اليوغسلافي ببقائي فترة ثلاثة أشهر لإكمال العلاجات إلا أنهم أجبروا الدكتور على توقيع إذن الخروج وأخطروه بأن هذا الامر صادر من الجنرال طلاهون الذي كان قائد المنطقة حينها، لم يجادلهم الدكتور، بل اكتفى قائلا هذه وجهة نظري الطبية وفق حالته الصحية، ولكن أنتم من جئتم به وبإمكانكم أن تأخذوه أيضا.

لم يستمر الحديث بضع دقائق حيث دفعوا بي في عربة لاندروفر عسكرية توجهت بنا صوب الفورتو ذاك المعسكر التابع لقوات الاسلحة الثقيلة، حيث زجوا بي في غرفة بها مدخل واحد لكنها مقسمة من الداخل الى زنازين صغيرة تصل مساحة كل منها متراً مربع، وكالمعتاد بدا التحقيق وأذكر أن ضابط برتبة عقيد اسمه برهانو هو من كان يجري معي التحقيق، واعتقد أنه كان ضمن قيادات الدرق لاحقا.

يتبع ………

شاهد أيضاً

المنخفضات -تنخفض الأرض.. ترتفع الهمم (الناقوس العدد 11)

بقلم/ ياسين أمير الجغرافيا رسم الاله على صفحة الكون.. والجغرافيا ترسمنا حين نحسب أننا رسمنا …

من مواضيع مجلة الناقوس-العدد 11-قضايا

  المعضلة الإرترية المزمنة ومقترح الحل عمر الأزمة: لقد لازمت هذه المعضلة مكونات الشعب الارتري …

أيقونة الثورة الإرترية-القائد الرمز حامد عواتي

من مواضيع مجلة الناقوس -العدد الحادي عشر بقلم / رمضان ياسين   لا يختلف شخصان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *