شخصية العدد- المناضل المغييب محمد عثمان داير (الناقوس العدد 11)

       المناضل المغيب / محمد عثمان داير

                                         رمز الجسارة والصمود

 

اعداد الأستاذ/ أحمد داير

لقد درجت مجلة الناقوس على تسليط الضوء على المناضلين والشخصيات الوطنية التي كان لها اسهامات في مختلف مناشط الحياة إن كان في السلك التعليمي أو في مختلف الأدوار النضالية التي لعبوها في مرحلة التحرير الوطني، ونحن إذ نسلط الضوء على نضالاتهم وتضحياتهم الجسيمة في مسيرة الثورة، نهدف من وراء ذلك إلى: تمجيد أدوراهم ومواقفهم البطولية لاستخلاص الدروس والعبر منها زاداًً لاستكمال مسيرتهم لتحقيق الغايات التي انطلقوا من أجلها، واتاحت الفرصة لأجيالنا أن تطلع على النضالات التي خاضها شعبنا وأبطاله في مرحلة الثورة حفاظاً على هذا التاريخ البطولي من الاندثار جراء عمليات التشوية والتزييف التي دأب نظام الهيمنة القومية على اتباعها، وكتابة تاريخ مغاير للحقيقة حول الثورة وابطالها.

وقد وقع خيارنا في هذا العدد على المناضل/ محمد عثمان داير المغيب في معتقلات نظام الهيمنة والاستبداد منذ العام 1995م، لتزين سيرته الذاخرة بالبطولات والمآثر صدر مجلة الناقوس. وإذ نخوض في استذكار سيرته نؤكد على تضامننا الكامل مع المناضل محمد عثمان داير ومن خلاله تضامننا مع كافة المعتقلين والمغيبين قسرياً من أبناء الشعب الإرتري في غياهب معتقلات نظام الهيمنة والاستبداد، مطالبين بالكشف عن مصيرهم لأسرهم وذويهم، ومسائلة النظام امام العدالة الدولية، لما ارتكبه من انتهاكات صارخة بحق الانسان في الحياة الكريمة، الذي تجرمه كافة القوانين الدولية.

ولإنجاز هذا التوثيق لم نجد من هو أفضل من الأستاذ / احمد محمد داير للاستعانة به لما عرف به من اهتمام، وما يبذله من جهود ثرة في التوثيق لمسيرة الثورة وبطولات رموزها، له منا كل الشكر لإتحافنا بهذه السيرة العطرة لشخصيتنا لهذا العدد.

  • المناضل محمد عثمان داير من مواليد مدينة كسلا (حي البوليس القديم) في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي وهو الابن الثاني في ترتيب اخوته اذ أن عدد أبناء (سيدنا) محمد داير، هم 6 أبناء.
  • استقر الوالد (سيدنا) محمد داير بكسلا منذ أمد بعيد وكان مضيافاً، إذ كان داره يستقبل القادمين من ارتريا من اجل العمل الموسمي في السودان فيجدون المأوى والمأكل في حلهم وترحالهم، وظلت هذه الدار على هذا المنوال، وبعد تفجير الثورة أصبحت داره مسكن ودار للمناضلين والكوادر القيادية لجبهة التحرير الارترية عند قدومهم الى مدينة كسلا، لذا نجد ان شخصيتنا الذي عاش وترعرع في هذه الدار قد تشبع بالقيم النضالية إضافة للقيم الأخرى من كرم وطيبة وحسن الاستقبال والقبول للناس.
  • درس محمد عثمان المرحلة الابتدائية في المدرسة الاميرية والمرحلة الوسطى في المدرسة الاهلية الوسطى بمدينة كسلا، وقد ذكر الراحل سيد احمد محمد هاشم رحمة الله عليه انه ومحمد عثمان أبناء دفعة واحدة في الدراسة، كما كان من أبناء دفعتهم الأستاذ/ عثمان على أحمد الذي كان ممثلاً للجبهة في الجزائر ثم لاحقاً اصبح أستاذاً جامعياً بإحدى جامعات الجزائر.

 

  • التحق المناضل محمد عثمان داير بعد انهاء المرحلة المتوسطة في منتصف الخمسينات بالجيش السوداني وتنقل من جنوب السودان إلى غربه في كردفان ومنها إلى الخرطوم، وقد ذكر المناضل المرحوم / احمد سويرا عندما علموا بمجيء محمد عثمان الى الخرطوم تم الاتصال وتجنيده في حركة تحرير إرتريا كغيره من أفراد الجيش السوداني.

 

  • وعندما ترك المناضل محمد عثمان الجيش في مطلع الستينات من القرن الماضي عمل في شركة سنجر لمكائن الخياطة بمدينة كسلا، وكان وقتها قد التزم بجبهة التحرير الارترية التي تفرغ لها فيما بعد وذهب في دورة عسكرية لسوريا وكانت هي الدورة الثالثة في عام 1966م، حيث كان عدد المناضلين في تلك الدورة (37) مناضلاً، وكانت المجموعة برئاسة محمد عثمان داير حسب إفادة المناضل / طاهر جبريل. ويمكن ذكر بعض المناضلين الذين رافقوا شخصية العدد في تلك الدورة وهم: محمد عثمان ازاز، عبد الرقيب محمد موسى، محمد نور موسى، نقاش محمد جميل، محمد جمع فكاك ، الحاج حامد تماريام ،وعبدالله علي جامع، وكان محمد عثمان في مجموعة المغاوير .

 

  • كلف محمد عثمان بعد العودة من الدورة العسكرية في الجانب الأمني بالسودان إذ زادت أهميته خاصة بعد افتتاح القنصلية الاثيوبية في كسلا. إذ شهدت تلك الفترة العديد من التطورات، إن كان على الصعيد الداخلي لجبهة التحرير الإرترية أو من جانب العلاقات السودانية الاثيوبية، إذ ترتب على تواجد القنصلية الاثيوبية في كسلا من تكثيف جهاز أمن الثورة من دوره لحماية الثورة من أي محاولات إثيوبية لإثارة البلبلة، والعمل على خلق عملاء تابعين لها.

 

  • وقد شهدت الجبهة في تلك الفترة بروز حركات عديدة كان لها اثرها الفاعل في تطور الاحداث لاحقاً منها حركة الجنود التي عبرت عن رفضها لبعض الممارسات من قيادة المناطق العسكرية ودعوا لعقد مؤتمر عام وكان من قيادات حركة الجنود الشهيد / عبدالله تلودي، الشهيد عبدالله(تخلاي) ظقاي، وإدريس شريف. كما برزت حركة الإصلاح بقيادة عبدالله سليمان والتي التف حولها العديد من خريجي الدورات العسكرية وكانت تلك الحركة تطالب بإحداث هيكلة للتنظيم وعقد مؤتمر وطني والخروج ببرنامج سياسي. ثم تلى ذلك بروز اللجنة المركزية التي كانت تتشكل من ممثلي المنظمات والمكاتب في السودان وكان من ضمن قادتها المناضل / آدم أكتي، المناضل إبراهيم توتيل (فك الله اسره)، المناضل إبراهيم محمد علي والمناضل همد كلُ، والمناضل علي محمد صالح، ولقد سعت اللجنة المركزية للعمل على الغاء القيادة الثورية في كسلا كما تعاملت مع حركة الإصلاح باعتبارها حركة انقلابية. وفي ظل كل هذه التحركات الداخلية في الجبهة أو على صعيد تداعيات تواجد القنصلية الاثيوبية في كسلا، استطاع المناضل محمد عثمان داير ان يحيد الجهاز الأمني تجاه كل تلك التحركات حتى لا تؤثر على أداء واجبه في حماية الجانب الأمني للثورة. باعتباره انها حالة تطور داخلي يشهدها التنظيم، لذلك لم ينتم لأي منها، بل ركز على وحدة الجهاز في مواجهة تحركات القنصلية الاثيوبية، ويمكن ذكر بعض ممن كانوا برفقته في الجهاز في ذلك الوقت وهم:

الشهيد / يوسف محمد موسى، الشهيد محمد ادم شنكحاي، الشهيد ولداي فكاك، والشهيد صالح خرطومي ولاحقاً الشهيد دبروم طلوق.

  • استطاع المناضل محمد عثمان داير ومجموعته الأمنية في ذلك الوقت ان تتصدى لكل محاولات القنصلية التي كانت تسعى لتجنيد الجواسيس والقيام بأعمال تخريبية في داخل كسلا والصاق التهمة بالجبهة كما حدث عندما تم احراق محطة للوقود في غرب كسلا، وإلقاء القنابل اليدوية على منازل بعض المناضلين منهم: منزل الشهيد/ إدريس محمد نور الذي كان مجاوراً لمنزل الشهيد عمر إزاز في حي الترعة جنوب.
  • ولقد قامت المجموعة الأمنية في كسلا في تلك الفترة بتنفيذ العديد من العمليات يمكن ان نذكر منها على سبيل المثال: تصفية عميل القنصلية (صالح محمود) الذي أبلغ السلطات السودانية بوجود أسلحة لدى مسئولي الجبهة بكسلا وذلك بتحريض من القنصلية الاثيوبية، وقد تم تصفيته امام باب القنصلية وقام بتنفيذ المهمة الشهيد/ صالح خرطومي الذي سلم نفسه بعد ذلك وحكم عليه بالسجن ثم اطلق سراحه بعد الوقفة التضامنية التي وقفها المحامون السودانيون، وتم اعتبار القضية سياسية وليست جنائية. وهكذا كان جهاز الامن يقوم بواجبه على أكمل وجه في مواجهة العملاء والخونة.
  • ولقد شهدت تلك الفترة الحادثة التي أدت الى وفاة كل من ولداي وكداني كفلو أثناء نقلهم للميدان للتحقيق معهم بعد أن تسربت معلومات بتمردهم وتواصلهم مع القنصلية الاثيوبية، وقد ترتب على وفاتهم أن استقلت المجاميع المعادية للجبهة خاصة (مجموعة أسياس والمجموعة التي شكلت فيما بعد قوات التحرير الشعبية ) هذه الحادثة وعملت على تشويه الجبهة وأشاعت بأن الجبهة تقوم بتصفية المسيحيين، علماً بأن عملية اغتيالهم تمت أثناء محاولتهم للهروب، ونتج عن ذلك اعتقال مجموعة من عناصر الجهاز في السودان في ذلك الوقت، أذكر منهم الشهيد يوسف محمد موسى، المناضل / محمد ادم شنكحاي  والسائق السوداني السر الصديق الذي أرشدهم الى الأخ عبدالله داير، باعتبار أنه هو من رشحه للفدائيين لان سيارته كانت في الصيانة ، وقد تم اطلق سراحه فيما بعد.
  • استمر المناضل محمد عثمان في جهاز الأمن حتى بعد انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لجبهة التحرير الإرترية، وقد أشرف على تأمين حماية الاجتماعات المنعقدة في سبتمبر 1975م والتي عرفت باتفاقية الخرطوم بين كل من جبهة التحرير الارترية وقوات التحرير الشعبية.

 

هذه هي بعض المهام الأمنية الداخلية لعمل المناضل محمد عثمان على الصعيد الداخلي الارتري، أما على الصعيد لخارجي فقد شاءت الظروف عند سفره الى روما للعلاج أن صادف ذلك انعقاد مؤتمر التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي عقد بروما وأقامه اتحاد الكتاب والصحفيين العرب وشارك به كل من روجيه غارودي والمطران هيلاريون كابوتشي ، وكان الأستاذ عمر جعفر السوري (عمر عليم) رئيس اتحاد الكتاب والصحفيين الارتريين وممثل الاتحاد في اتحاد الكتاب والصحفيين العرب آنذاك، وعضو مكتب الاعلام الخارجي لجبهة التحرير الارترية قد ابلغ الجهات المسئولة عن مؤتمر التضامن مع الشعب الفلسطيني بأن جبهة التحرير الارترية لها تواجد وحضور أمني كبير في روما وبإمكانها تأمين المؤتمر من الناحية الأمنية، فأبدى الفلسطينيون ترحيبهم بذلك وكلف بالمهمة المناضل محمد عثمان داير الذي استعان بمكتب جبهة التحرير الإرترية بروما وبعض المقاتلين الذين كانوا متواجدين هناك وأمنوا المؤتمر .

ولكن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية كانت تتوقع ان يقوم الموساد الإسرائيلي بعملية اغتيال للمناضل الفلسطيني / ماجد أبو شرارة أحد ابرز قيادات اليسار الديمقراطي الفلسطيني، لذا تم نقل المناضل ماجد أبو شرارة الى فندق فلورا بروما اذ كانوا يرون بأن هذا أكثر أمناً له، ولكن طالته يد الموساد اذ تم تفجير غرفته واستشهد المناضل ماجد أبو شرارة. وقد غمز البعض من قيادات اليسار الفلسطيني متهما القيادة الفلسطينية بالتآمر لتصفيته اذ تم نقله من الموقع الذي تكفلت الجبهة بتأمينه وحدث الاغتيال بالموقع الجديد. ولقد تم الإشادة بدور الجبهة في حماية وتأمين المؤتمر بفضل جهود المناضل محمد عثمان داير.

وهكذا استمرت المسيرة النضالية للمناضل / محمد عثمان داير في جبهة التحرير الإرترية، وبعدها في إطار التنظيم الموحد الى أن تم التحرير ودخل التنظيم إلى ارتريا، وهنا نلاحظ أن جميع من قدموا من عضوية التنظيم من قيادات وكوادر تم توجيههم ما عدا محمد عثمان داير فقد ظل طوال ثلاث سنوات نزيل في الفندق الذي تم استضافة كافة المناضلين فيه دون أن يتم توجيهه كالبقية، بل انه كان ممنوعاً أن يتحرك خارج مدينة اسمرا إلا بعد أخذ الموافقة الأمنية. وهذا يعني أنه كان تحت المراقبة.

وفي يوم الذكرى الثالثة للتحرير25/5/1995م تم اختطافه من قبل عناصر أمن نظام البطش والاستبداد، ومن يومها وحتى تاريخه لا يعرف مكانه، وما إذا كان على قيد الحياة أو فارقها. مثل ما يفعل النظام مع كافة المعتقلين والمغيبين قسرياً مع الرموز النضالية لمرحلة التحرر الوطني وكافة أبناء الشعب الإرتري.

أخيراً: إنها نهاية مأساوية لأبطال قدموا جل حياتهم من أجل قضية شعبهم وتحرر بلادهم، أن تكون نهايتهم أن يقبعوا في السجون والمعتقلات دون أن يعلم أحداً عن أماكن اعتقالهم، ومدي وجودهم على قيد الحياة من عدمه، بدلاً من ان تقام لهم المجسمات وان تدرس سيرهم وبطولاتهم وتضحياتهم للأجيال التي لم تعاصر مرحلة الثورة والتحرر الوطني.

ويظل عزاءنا في إيماننا بأن التغيير واليوم الذي سوف نكرم فيه أبطالنا وشهدائنا ونحرر فيه المعتقلين من سجون نظام القمع والاستبداد قادم لا محالة، وإن غداً لناظره قريب.

شاهد أيضاً

المنخفضات -تنخفض الأرض.. ترتفع الهمم (الناقوس العدد 11)

بقلم/ ياسين أمير الجغرافيا رسم الاله على صفحة الكون.. والجغرافيا ترسمنا حين نحسب أننا رسمنا …

من مواضيع مجلة الناقوس-العدد 11-قضايا

  المعضلة الإرترية المزمنة ومقترح الحل عمر الأزمة: لقد لازمت هذه المعضلة مكونات الشعب الارتري …

أيقونة الثورة الإرترية-القائد الرمز حامد عواتي

من مواضيع مجلة الناقوس -العدد الحادي عشر بقلم / رمضان ياسين   لا يختلف شخصان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *