عام المؤتمر

مدخل:

كلما انفلت عام من عقال الزمن ومضى إلى غير رجعة في منعطف من المنعطفات، ورأس السنة أهمها، تداعت إلى الذاكرة بعض الأقوال المأثورة مثل (الوقت من ذهب إن لم تدركه ذهب) و (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)، وكلها تفيد الأهمية وتحفز على حسن الإستخدام وقد برزت رابطة أبناء المنخفضات الإرترية إلى الوجود وهي تعي هذه الحقيقة وتضعها نصب عينها لأن الوقت من أهم العوامل في إدارة الصراع وخاصة إذا كان من أجل إحقاق الحق ورد المظالم، فكل يوم يمر إن لم يكن في صالح دولة العدل، فإنه لدولة الظلم مكسب – زيادة في التمكين وترسيخا للإقصاء وتقنينا للتهميش وتعميقا للاختلال الديموغرافي واستمرارا لنهب مقدرات الوطن بدون وجه حق. وقديما كانت العرب تسمي أعوامها بالأحداث البارزة فيها، وإن جاز لنا أن نستعير ذلك النسق، لقلنا إن عام 2014 بالنسبة للرابطة كان عام الإنطلاقة والتثبيت و2015 عام الحشد والتأطير وأما 2016 فقد كان بحق عام المؤتمر التأسيسي والإنتقال من شرعية المبادرة إلى المؤسسية.

ونحن إذ نحتفي بأهم أحداث العام للرابطة ومجتمع المنخفضات، بل ولكل المكونات الاجتماعية التي ترزح تحت نير الهيمنة القومية البغيضة، فإنما نحتفي بإنجاز مستحق فيه من الملامح الإيجابية الكثير، ومن المهم أن نعرض لبعضها من باب التذكير وتعميم الفكرة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فأي قيمة مضافة من الجهد الإيجابي لمكوِّن ما، هي مقدارا تراكميا يحسب لصالح المجموع.

الإنتقال:

منذ البداية قوبلت الرابطة بنقيضين، ترحاب حار ونقد ناري وما كان لفكرة أن تجمع النقيضين بهذه الحدية، إلا إذا كان طرحها مختلفا شكلا ومضمونا ويهتم بالحداثة في التناول. وهل نحن بحاجة لتدبيج الكلمات لنثبت ذلك وقد أريق ما أريق من مداد وكاد البعض أن يريق الدماء أيضا بعد أن لم تجد البيانات الثلاثينية نفعا وبعد أن ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هذا المشروع لن “يترك على قارعة الطريق” ولن ينفض السامر من حوله في عجالة كما اجتمع عليه بسرعة، فقد كان العزم أكيدا وليس مرهونا بموقف معين ولا بقاء أو زوال نظام بعينه، فما استحدث من الشكل والمضمون قمين بخاصية الاستدامة ما بقي المجتمع وما بقيت له قضايا يُنَافح عنها وأهداف متجددة يسعى لتحقيقها ورؤى سامية في العدل والمساواة يراد لها أن تكون القسطاس المستقيم.
ورغم أن شرعية المبادرة لا غبار عليها، وإلا لأنكرنا على كل ثورة منطلقها وثبطنا من همم حداتها وحاكمنا ما مضى منها بخيره وشره على ذلك، ولكن كان الانتقال ضروريا أولا وفاءً بالعهد الذي قطع في السيمنار ولكن الأهم من ذلك كان توسيع قاعدة المشاركة نسبة للزيادة المتصاعدة في أعداد المنضمين واتساع الرقعة الجغرافية لأماكن تواجدهم وأيضا لمأسسة هياكل الرابطة واختيار هيئاتها التشريعية والتنفيذية عن طريق الإنتخاب الحر.

ثقافة البذل والعطاء:

ربما من أهم الملامح أن المؤتمر تم تمويله من الألف إلى الياء من قبل أعضاء الرابطة وهذا غير أنه أعاد إلى النفس الثقة وأكد بأن هذه الخصال الحميدة التي حسبها البعض قد اندثرت، ما زالت نارها تخبو وتضطرم تحت الرماد، ما يدل على أن محاولات تخذيل هذا المجتمع ما هي إلا محض أوهام، فمن كان حداة ركبه أمثال الشهيد البطل حامد إدريس عواتى والزعيم الشيخ إبراهيم سلطان وصحبهما من الشهداء الأبرار هيهات أن يستكين أو يضام.

إثنين في واحد:

كان اختيار مقر المؤتمر عقبة كأداء وتطلبت الكثير من الجهد والوقت وذلك لإسقاط الخيارات الغير مناسبة واحدا تلو الآخر بعد الدراسة المستفيضة والتمحيص الدقيق من حيث الإسقاطات السياسية والأوضاع الأمنية والإمكانيات اللوجستية وتبعا لذلك التكلفة المالية وفي نهاية الأمر تطلب مبدأ إشراك الجميع عقد المؤتمر على دفعتين بنسختيه الشرق أوسطية والأوروبية وهكذا لم يتخلف من المؤتمرين إلا من حالت ظروفه الشخصية أو إمكانية الحصول على تأشيرات الدخول المناسبة دون ذلك. وحتى هؤلاء أتيحت لهم، وكل من لم يتواجدوا في استوكهولم، فرصة المشاركة عبر الوسائل الحديثة بدءًا بالمشاركة في المناقشات وانتهاءً بالترشح والترشيح والتصويت. ورغم ما مثله عقد المؤتمر على دفعتين من ضغط على الميزانية، إلا أن توسيع قاعدة المشاركة كان مجلبة للرضا، كما كانت فوائده جمة ولا تقاس بمال.

إنجاز الأوراق:

منذ نشأتها، تواضع القائمون على الرابطة على أهمية الأدلة النظرية المكتوبة وذلك في طلاق بيّن مع ثقافة الشفاهة التي طبعت الكثير من مناحي الحياة في مجتمعنا وكانت السبب وراء ضياع الكثير من النتاج الثقافي والسياسي الذي لم يوثق كتابة. كما أن أهمية الأدلة النظرية المكتوبة تكمن في كونها مرجعية ثابتة يتم من خلالها وضع الأطر الفكرية والمفاهيمية العامة وبالتالي خلق الحد الأدنى من التوافق المطلوب، والبعد الآخر هو المسئولية عما يكتب، فشتان بين من يطلق الحديث على عواهنه ومن يوثق ما يقول ويمهره باسمه. وبما أن الوثيقة كانت البداية وقد حققت بصيغتها وطريقة طرحها النتائج المرجوة، كان لزاما تطوير الأفكار العامة الواردة فيها وبلورتها في أوراق موسعة تكون مدخلا لدراسات متعمقة مستقبلا. ومن دواعي الفخر إنجاز هذا القدر من الأوراق في الفترة الوجيزة التي كانت متاحة ولكن بحمد الله أكملت اللجان المعنية إنجاز تسعة أوراق نحسبها مهمة جدا، تناولت سبعة منها المجالات الحيوية التي حملت عناوين ذات دلالات تمثلت في الورقة السياسية العامة وأوراق في الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي ومنظمة المجتمع المدني والثقافة والأرض واللاجئين وجميعها متاحة في وسائل الرابطة الإعلامية المختلفة من باب تعريف المتابع الإرتري أو غيره برؤى الرابطة ومواقفها إزاء هذه العناوين الهامة، كما تم إنجاز ورقتي النظام الداخلي والخطة الاستراتيجية وتعنيان بالشأن الداخلي للرابطة لمأسسة عملها ووضع خارطة طريق لما بين المؤتمرين وما بعد ذلك.

مخرجات المؤتمر

تمثلت مخرجات المؤتمر في الأدلة النظرية آنفة الذكر وتحديد برنامج العمل من حيث التوجهات والمدى وأيضا التأكيد على المضي في نهج منظمة المجتمع المدني حيث كان هناك رهان من أوساط كثيرة – صديقة ومعادية – أن الرابطة ونتيجة للتوسع الكبير خلال الفترة القصيرة الماضية وبروز طابعها الملحوظ على ساحة العمل الإرتري المعارض، سوف تدخل لا محالة معترك العمل السياسي المباشر على نسق التنظيمات والأحزاب القائمة، فكانت الكلمة الفصل وبإجماع منقطع النظير الإستمرار على نفس النهج لدوره الفعال في لم الشمل وتحقيق الأهداف من خلال هذه الوسيلة الناجعة. ورهان خاسر آخر كان توقع أن تستأثر القيادة السابقة من المؤسسين بزمام الأمور فتحقق عكس ذلك بمشاركة فعلية واسعة ليس خارج إطار المؤسسين فحسب، بل أيضا وبصورة كبيرة من الشباب والمرأة في المستويين التشريعي والتنفيذي.

إلى مشارف المستقبل:

بالطبع ستستمر الرابطة في جهودها للم الشمل على المستوى المجتمعي، كما أن ذات المهمة تستدعي التوسع الأفقي من حيث تكوين الفروع لأنها وسائط ضرورية لترسيخ المفاهيم عند قطاع أكبر من القوى الفاعلة في المجتمع حيثما وجدت وأيضا من أجل تنزيل المفاهيم على أرض الواقع من خلال العمل اليومي لتنفيذ البرامج. وفي هذا الصدد بعد المؤتمر تم تكوين فرع كبير في باريس الذي انضم إلى قائمة أنشط الفروع وسيعلن خلال هذا الشهر إن شاء الله عن تكوين فرع آخر في فرنسا وفي السودان أيضا ازدادت وتيرة تكوين الفروع بعد المؤتمر، فأقيم فرع طوكر وتلاه فرع أم قرقور وسيعلن عن إقامة فروع أخرى في السودان عما قريب وهذا العمل الحثيث تبدّت آثاره أيضا في الوصول إلى المدن الإرترية ليس في مناطق التماس فحسب بل في العمق حيث تم توزيع كتيب الوثيقة على نطاق مقدر.

هذه بعض ملامح الحدث الأهم بالنسبة للرابطة في العام 2016 الذي كان له ما قبله وسيكون له بكل تأكيد ما بعده ما دام الإيمان قويا والعزم أكيدا والنية معقودة على بلوغ الأهداف وتحقيق الآمال.

وكل عام وأنتم بخير.

هيئة التحرير

شاهد أيضاً

بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيسها: رابطة أبناء المنخفضات الارترية .. وثيقة واضحة وممارسة شجاعة.

– في البدء وبمناسبة الذكرى الثانية لإعلان وثيقة لمّ الشمل لأبناء مجتمع المنخفضات الإرترية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *