بســم الله الرحمـن الرحيـم
قال تعالى: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)) صدق الله العظيم.
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تنعى رابطة أبناء المنخفضات الإرترية إلى جماهير شعبنا الإرتري، وإلى الأوساط الثقافية والفنية والوطنية، رحيل أحد أعلام الفن التشكيلي الإرتري ورواده، والمناضل الوطني الكبير، الأستاذ محمود جابر دبروم، الذي برحيله تفقد إرتريا قامة فنية ووطنية سامقة، كرّست موهبتها وإبداعها لخدمة الإنسان والوطن، وجعلت من الفن رسالة للهوية والحرية والجمال.
لقد كان الفقيد، المولود في مدينة قندع عام 1940م، واحداً من أبناء جيل حمل هموم الوطن منذ بواكير شبابه، وجمع في مسيرته الحافلة بين الإبداع الفني والالتزام الوطني، مؤمناً بأن الفن ليس مجرد ألوان تتشكل على اللوحات، وإنما تعبير عن وجدان الإنسان وذاكرة الشعوب وتطلعاتها نحو الحرية والكرامة.
ومنذ اغترابه المبكر إلى المملكة العربية السعودية عام 1957م، ظل الراحل وثيق الصلة بوطنه وقضاياه، وأسهم في دعم الثورة الإرترية في مراحلها الأولى، وتولى مهام سكرتير اللجنة الفرعية لأول فرع لجبهة التحرير الإرترية في الرياض خلال الفترة من 1962م إلى 1965م، مشاركاً في التعبئة الوطنية وحشد الدعم للثورة، ومواصلاً عطاءه الفني والوطني على امتداد العقود.
وعلى الصعيد الفني، شق الراحل طريقه بالإرادة والمثابرة والتعلم الذاتي، حتى بلغ بإبداعه آفاقاً عالمية، وشارك في العديد من المعارض الفنية، ونال جوائز وتكريمات مرموقة، من أبرزها فوز لوحته الشهيرة «حنين الوطن» بالمركز الثالث في جائزة المنتدى العربي العالمية للفنون بالعاصمة البريطانية لندن عام 2016م. كما حظيت لوحته «عروس البحر» بإعجاب الزعيم الإفريقي الراحل نيلسون مانديلا خلال زيارته لمتحف عبد الرؤوف خليل بمدينة جدة عام 2001م.
ولم تكن تلك الإنجازات مجرد نجاحات شخصية، بل كانت حضوراً مشرفاً للفن الإرتري، وتعريفاً بثقافة شعبنا وتنوعه الحضاري والإنساني، وتجسيداً عميقاً لارتباط الفنان بأرضه وإنسانه، مهما امتدت به سنوات الغربة والمنافي.
وتستحضر رابطة أبناء المنخفضات الإرترية، بمزيد من الاعتزاز والتقدير، اللقاء التوثيقي الثري الذي أجرته معه مجلة الناقوس، الصادرة عن الرابطة، ونُشر في عددها الرابع في سبتمبر 2018م، على الصفحات (46–54)، بعنوان «محمود دبروم: حديث الذكريات والفن والنضال»، وحاوره الأستاذ صالح عبد الله عجيل.
لقد كان ذلك الحوار شهادة حية على مسيرة استثنائية، كشف فيها الراحل عن عمق ارتباطه بالوطن، واعتزازه بثقافته المتنوعة، وإيمانه بقيم التسامح والعدل والمساواة، وتطلعه إلى قيام دولة المؤسسات الدستورية التي تصون كرامة الإنسان الإرتري وحقوقه.
وكم كان مؤثراً أن يعبّر في ذلك اللقاء عن أمنيته في أن يرسم لوحة واحدة من داخل ربوع وطنه، مستلهماً جمال أرضه وطبيعته وإنسانه، لا من خيال الغربة والمنفى. وهي أمنية تختزل وجع الاغتراب، وصدق الانتماء، وعمق الحنين الذي رافق مسيرته الإبداعية.
إن رحيل الأستاذ محمود جابر دبروم ليس خسارة لأسرته ومحبيه فحسب، بل هو خسارة للذاكرة الثقافية والوطنية الإرترية، ولجيل من المبدعين والمناضلين الذين ظلوا أوفياء لقضايا شعبهم، وجعلوا من الكلمة والريشة والموقف الوطني أدوات للعطاء والنضال.
وإذ تنعى الرابطة هذا الراحل الكبير، فإنها تتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرته الكريمة وأبنائه وبناته وذويه، وإلى رفاق دربه وتلامذته ومحبيه، وإلى جميع أبناء الشعب الإرتري، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله، وذويه، ومحبيه، الصبر والسلوان.
رحم الله الفنان والمناضل محمود جابر دبروم، فقد رحل الجسد، وبقيت اللوحات شاهدة على موهبته، والمواقف شاهدة على وطنيّته ، وسيرته حاضرة في ذاكرة شعبه.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
رابطة أبناء المنخفضات الإرترية
الإدارة التنفيذية
رابطة أبناء المنخفضات الارترية منظمة مجتمع مدني، تعمل على الدفاع عن حقوق ومصالح مكونات مجتمع المنخفضات والعمل مع المكونات الارترية الاخرى لبناء دولة العدالة والمساواة، في ظل نظام حكم لامركزي دستوري يسع الجميع.