مهرجان الرابطة بمدينة كولن في المانيا

المهرجانات الثقافية حالة تفاعل بين القيم والموروثات .. ودعوة لقراءة تاريخ الاجداد

ابو بكر صائغ

قال لي أحد الاصدقاء في جلسة ودية تفاكرية إنني أؤمن بطرح رابطة ابناء المنخفضات وليس بالضرورة أن انتمي لها ولكن أعيب عليهم حفلات الرقص ؟
قلت له : هل تقصد المهرجانات التي تقام بين فترة وأخري سنويا في البلدان الاروبية ؟
قال: نعم .
الحديث الذي دار بيننا فتح الباب لمواصلة الحديث حول الرابطة والحراك المعارض عموماً بروح أخوية وتفاهم بالرغم من الإختلاف في التوجهات السياسية والقناعات، وفي ختام النقاش اتفقنا بأن هناك ظلم فادح وتجاوز لا يمكن السكوت عليه بأي حال من الأحوال لما يمثله من خرق صارخ لكافة القوانين والاعراف التي كانت سائدة في المجتمع الارتري منذ عهود خلت وخاصة فيما يتعلق بقضية الارض والشراكة والموروث الثقافي .
الحوار الذي دار بيننا دفعني لكتابة هذا المقال، راجيا أن يكون رداً شافياً لكل التساؤلات التي تطرح هنا وهناك حول هذا الموضوع .
المهرجانات الثقافية التي تقيمها رابطة أبناء المنخفضات الارترية ليست حدثاً عابراً، وليست مناسبة إحتفالية خالية من أية قيمة، بل هي ذات أثر يبقى للتاريخ، وشاهد على الإختيار الصحيح في نطاق نهضة المجتمعات وبناء الأمم، تهدف للحفاظ على الموروثات الثقافية المميزة لمكونات التعدد الارتري التي يسعى نظام الهيمنة لطمس معالمها لصالح مشروعه الأحادي، كما انها تهتم بجانب الثقافة لبناء العقول عبر إقامة الندوات التفاكرية والتنويرية للإعضاء وللمشاركين، وإن تحدي النهضة الشاملة يتطلب أحياء مثل هذه الفعاليات الثقافية والندوات التنويرية التي تناقش الشأن الارتري، وتعمل على بث روح الأمل وإعادة الثقة بالنفس والإعتماد على الذات .

 مهرجان الرابطة بمدينة كولن في المانيا2

فالمهرجانات الثقافية عموما تمثل الضوء الذي يمتد بين الماضي والحاضر وعبره نستشرف أفاق المستقبل، لأنها تربط الجيل الجديد بتراث الأجداد لأنها تستقطب الجميع من مختلف الاعمار، حيث يتقاطر الجميع لزيارة مقر المهرجانات التي اقيمت خلال السنوات الماضية في مختلف البلدان الأروبية من مناطق تواجد الجاليات الارترية المهاجرة التي تعتبر مناخا مناسبا من حيث توفر الحريات والتعبير.
وتحتوي المهرجانات على فعاليات وأنشطة ثقافية وتوعوية وترفيهية تجد الاهتمام والمتابعة من المشاركين فيها،
وهي ذات طابع خاص تزيد من التعلق بالوطن من خلال تفاعل المشاركين معها ومع وما يقدم فيها من عروض، مرددين كلمات الأغاني الشعبية ومعانيها التي تحمل دلالات اجتماعية معروفة، وهذا الجانب من التراث غير المادي يربط الاجيال التي هاجرت بفعل عوامل كثيرة بوطنهم وتراثهم ويحفزهم على تعلم مفردات ومعلومات عن تاريخ وطنهم،
وأن الحالة من التفاعل التي تجدها بين الأجيال مع الموروث الثقافي تصحبهم في رحلة إلى الماضي تنسيهم ولو قليلاً إيقاع الحياة وهمومها وتؤجج في النفس بوح الشجن والاشواق الدفينة للوطن والأهل والأحباب، فيترسخ في أذهانهم كل ما هو جميل ونبيل من قيم ومفردات تعزز انتماءهم للوطن والأرض والإنسان والتاريخ المجيد الذي سطره الأباء والأجداد في مواجهة الإستعمار الغاشم وأعوانه.
إن حجم التحديات الكبيرة التي يواجهها إنسان المنخفضات الارترية يتطلب مضاعفة الجهد للاهتمام بالثقافات المحلية، خاصة في ظل تحكم نظام الهيمنة القومية وتسخيره لكافة إمكانيات الشعب الإرتري لخدمة مكون ثقافي أوحد، سواء كان ذلك في الخارج أو الداخل وذلك عبرإقامة المهرجانات التي تدعمها بسخاء لأنها تعبر عن سياستها في مجال الثقافة والسيطرة والمد الثقافي لقومية التغرنيا لفرض الهيمنة الثقافية على المكونات الأخري.

 مهرجان الرابطة بمدينة كولن في المانيا3

والمهرجانات التي تتضمن فعاليات ثقافية متنوعة من شعر وغناء ومسرح ومعرض تراثي وفن تشكيلي وغيرها من الضروب الثقافية والابداعية تعكس حجم الاهتمام بالتراث والخصوصيات الثقافية، بهذا المعني فهي بالتأكيد ليست مناسبة للرقص فقط.

وإن التصدي للهيمنة يتطلب جهداً كبيراً في جبهة التنوير ونشر الوعي لدى المكونات المهمشة، والمهرجانات الثقافية هي ترجمة لهذا الإهتمام، حتى لا تكون الساحة خالية للنظام وأتباعه؛ ويجب ان يكون هذا ديدن الارتريين في كافة اماكن تواجدهم بالسعي لتنظيم أنفسهم في منظمات وروابط مدنية للتصدي للنظام والوقوف امام محاولات احكام سيطرته المطلقة، ووضع حداً لطموحاتهم، وهذا هو الهدف السامي من إقامة المهرجانات في مناسبات رابطة أبناء المنخضات الارترية .

 مهرجان الرابطة بمدينة كولن في المانيا4

ومن أبرز أهداف المهرجانات التراثية والفنية هي ردم الفجوة بين الأجيال، من خلال عرض التراثية بشكل تتوافر فيه جميع عناصر الإبهار والجذب في تظاهرة لدعم التراث في مختلف جوانبه، حيث نجد المعرض للفن التشكيلي الذي تعرض فيه لوحات لعدد من كبار الفنانين التشكيليين بالاضافة الى أعمال بعض الشباب والتي تبرز موهبتهم وتعكس إهتمامهم، أيضاً نجد الشعر حاضراً في المهرجانات التي تقيمها الرابطة حيث يتباري الشعراء وبمختلف اللغات الارترية في بث روح التصدي وعكس المظالم التي تعرض لها الانسان الإرتري عموماً وإنسان المنخفضات الارترية خصوصا من قبل منظومة الهيمنة القومية منذ فجر الاستقلال وحتي اليوم، شباب فجرت المحن والظروف الصعبة التي مروا بها أشجان دفينة ومواهب متعددة وبرزت اصوات جميلة جديرة بالإستماع، حيث تم تأطير تلك المواهب في فرقة أحفاد عواتي، تيمنا بالارث النضالي البازخ الذي جسده البطل الرمز مفجر كفاحنا المسلح، إضافة إلى معرض المقتنيات التراثية التي تقدم إرثاً مادياً ملموساً يجذب الزوار من مختلف الإعمار.

في الختام أن إقامة المهرجانات الثقافية لها مدلولات وغايات وأهداف سامية ولذلك يجب تشجيع مثل هذه المهرجانات وتطويرها والمضي بها قدما لتكريس الثقافات المجتمعية كحق إنساني أصيل، ولايقاف تمدد ثقافة الهيمنة والاستحواذ.

.

.

 

شاهد أيضاً

alnaqous_munkhafadat_com

الاصدار الثالث للناقوس .. حلة بهية في بانوراما المهرجان الثقافي الخامس

علي جبيب تزامن صدور العدد الثالث لمجلة الناقوس، التي يصدرها مكتب الثقافة والاعلام، مع النسخة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *