مجلة الناقوس – العدد 15 – سبتمبر 2026

شخصية العدد:

الأستاذ / محمود محمد صالح

الجزء الثالث والأخير

ما سبق نشره للمتابعة: (إن المتتبع لمسيرة الأستاذ محمود محمد صالح في تلك المرحلة يدرك بوضوح حجم الدور الكبير والفاعل الذي اضطلع به في الداخل للتحضير والتهيئة لانطلاق الكفاح المسلح؛ إذ نجح في ربط وتنسيق جهود أربعة أطراف رئيسية كان لها الدور الأكبر في تفجير الثورة) وهي:

القوى السياسية، ويمثلها الشيخ إدريس محمد آدم، رئيس البرلمان الإرتري.

القيادة الميدانية، ويمثلها الشهيد القائد حامد إدريس عواتي، مطلق الرصاصة الأولى للكفاح المسلح.

مجموعة العسكريين الإرتريين في الجيش السوداني، الذين أسهموا في التنظيم وتأمين السلاح والذخيرة.

القيادات المجتمعية والدينية، ممثلة في الشيخ محمد داؤود، والشيخ سليمان محمد الأمين، والشيخ خليفة أبو بكر، الذين لعبوا دورًا كبيرًا في تعبئة الجماهير ودعم الثورة بالرجال والسلاح.

 

وبذلك، رسخ الأستاذ محمود محمد صالح اسمه كأحد أبرز مهندسي مرحلة الإعداد لانطلاق الثورة الإرترية في الداخل، وأحد الرجال الذين عملوا بصمت وإخلاص لتهيئة الظروف السياسية والتنظيمية والعسكرية التي مهدت لانطلاق الكفاح المسلح.

يقول الأستاذ المناضل نور الدين محمد عبد الله، في لقاء خاص مع مجلة الناقوس، إن الأستاذ محمود محمد صالح كان شعلة من النشاط، وصاحب حضور مؤثر ومبادرات فاعلة في الإعداد والتجهيز لإعلان الثورة، وقد دفع ثمن ذلك سجنًا واعتقالاً وتعذيبًا، لكنه ظل ثابتًا وصامدًا لم تلن له قناة.

وبعد إعلان الكفاح المسلح في الأول من سبتمبر عام 1961م بقيادة جبهة التحرير الإرترية، واصل الأستاذ محمود أداء دوره الوطني بكل عزيمة وإخلاص، حيث أُسندت إليه رئاسة لجنة الجبهة بمدينة أغردات، تقديرًا لدوره الريادي ومكانته الكبيرة وسط الجماهير ورفاق النضال. ومن خلال هذا الموقع، قاد العمل التنظيمي والسياسي للجبهة في المدينة وضواحيها، وعمل على توسيع القاعدة الجماهيرية للثورة، وتعزيز قنوات الاتصال بين الداخل وقيادة الثورة، فضلاً عن الإشراف على استقطاب العناصر الوطنية وتنظيم جهود الدعم والإسناد للمقاتلين في الميدان. كما أسهم بفاعلية في ترسيخ حضور الجبهة وسط مختلف الشرائح الاجتماعية، مستفيدًا من مكانته التربوية والاجتماعية وعلاقاته الواسعة في المنطقة.

وقد شهدت المرحلة التي أعقبت انطلاق الثورة حملات واسعة من الملاحقة والاعتقال نفذتها السلطات الإثيوبية بحق الوطنيين الإرتريين المرتبطين بالثورة. وكان الأستاذ محمود في مقدمة المستهدفين، حيث تعرض للاعتقال، ونال نصيبه من البطش والتعذيب طوال تسعة أشهر، في محاولة لانتزاع اعترافات أو معلومات تتعلق بنشاط الثورة، إلا أنه ظل صامدًا ومتمسكًا بمبادئه، ولم يتمكن جلادوه من انتزاع أي معلومة منه، ليُفرج عنه بعد ذلك، لكنه بقي تحت رقابة مشددة.

ومع تصاعد العمل الثوري، ولما شرعت السلطات الإثيوبية في تشكيل فرق للاغتيالات بهدف بث الرعب واستهداف العناصر الوطنية المؤثرة، صدر توجيه من قيادة الجبهة بمغادرة الأستاذ محمود إلى السودان حفاظًا على حياته، وليواصل من هناك مسيرته النضالية في ميدان جديد.

وفي السودان، لم يتوقف عطاؤه، بل دخل مرحلة أكثر اتساعًا وتأثيرًا في العمل التنظيمي والقيادي. ففي نوفمبر عام 1965م، تم تعيينه سكرتيرًا للشؤون التنظيمية بالقيادة الثورية، وهي الجهة التي كانت تمثل حلقة الوصل بين قيادة المجلس الأعلى وجيش التحرير الإرتري حتى مؤتمر أدوبحا. وقد أدى الأستاذ محمود في هذا الموقع دورًا بارزًا في تنظيم العمل، وترتيب العلاقات بين مؤسسات الثورة، وتعزيز التواصل بين القيادة السياسية والميدان العسكري.

وفي عام 1969م، تم تعيينه مندوبًا للقيادة العامة في السودان، واتخذ من الخرطوم مقرًا لعمله، حيث واصل أداء مهامه بكفاءة واقتدار. وبعد المؤتمر الوطني الأول استمر في اداء مهامه بمكتب الخرطوم ممثلاً للتنظيم كما كلف من قبل القيادة في العام 1971 ويرافقه المناضل / محمد عمر يحي بزيارة كوريا الشمالية للمشاركة في اعياد الثورة الكورية والالتقاء بالقيادة الكورية .

ظل الاستاذ محمود ممثلاً للتنظيم بالخرطوم وبعد انتهاء اعمال المؤتمر الوطني الثاني الذي شارك فيه تم انتقاله إلى موقع نضالي جديد من خلال عمله في إدارة التعليم التابعة لمكتب الشؤون الاجتماعية، وهناك برز دوره بصورة لافتة في الدفاع عن الهوية الثقافية والتعليمية للثورة، وكان له موقف مشهود في التصدي لمحاولات منع توزيع الكتب باللغة العربية على مدارس الثورة وجيش التحرير الإرتري، مؤكدًا إيمانه بأن معركة التحرير لا تقتصر على البندقية وحدها، بل تشمل أيضًا حماية الهوية وبناء الإنسان.

وظل الأستاذ محمود محمد صالح يؤدي رسالته الوطنية بإخلاص وثبات في مختلف المواقع والمسؤوليات التي تقلدها، حتى أصبح نموذجًا للمناضل الذي جمع بين العمل السياسي والتنظيمي والتربوي، وبين الصمود في الداخل والعطاء المتواصل في ساحات العمل الوطني بالخارج.

وعندما تعرضت جبهة التحرير الإرترية لواحدة من أصعب المراحل في تاريخها، إثر الأزمة التي نجمت عن العدوان المشترك بين الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا والجبهة الشعبية لتحرير تجراي، وما ترتب على ذلك من دخول قوات الجبهة إلى السودان، ثم ما أعقب تلك الأحداث من تداعيات وخلافات داخلية هزّت بنية التنظيم وألقت بظلالها على مسيرة العمل الوطني، كان الأستاذ محمود محمد صالح في مقدمة الذين انحازوا إلى خيار استمرار البندقية، مؤمنًا بأن الحفاظ على المشروع الوطني يجب أن يظل فوق كل الاعتبارات الأخرى. وعند انعقاد المؤتمر الوطني الثالث لـ جبهة التحرير الإرترية، وقع عليه اختيار المؤتمر ليكون عضوًا في القيادة، ومسؤولاً عن مكتب التعليم، في تجسيد واضح للثقة الكبيرة التي أولتها له قواعد التنظيم وقياداته.

ومن خلال هذا الموقع القيادي، واصل الأستاذ محمود أداء رسالته الوطنية، واضعًا خبرته التربوية والتنظيمية في خدمة الثورة، وعمل على تطوير المؤسسات التعليمية التابعة للجبهة، والإشراف على إعداد الكوادر، وترسيخ الوعي الوطني بين الأجيال الناشئة، مؤمنًا بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن خوض المعارك في ميادين القتال، وأن الثورة التي تحمل السلاح لا بد أن تحمل معها مشروعًا لبناء الإنسان وصون الهوية الوطنية.

وهكذا ظل الأستاذ محمود محمد صالح حاضرًا في الصفوف المتقدمة، يؤدي واجبه بإخلاص وثبات، مجسدًا نموذج المناضل الذي لم تحصره المسؤوليات في موقع واحد، بل ظل حاضرًا حيثما اقتضت مصلحة الوطن والثورة، إلى أن وافته المنية في الخرطوم بتاريخ 31/7/1992م. وبرحيله، فقدت إرتريا أحد أبنائها الأوفياء الذين لعبوا دورًا مشهودًا وفاعلاً في الثورة وانطلاقتها.

رحم الله الشهيد الأستاذ محمود محمد صالح رحمة واسعة، بقدر ما قدم لشعبه وثورته.

شاهد أيضاً

مشاركة رابطة أبناء المنخفضات الإرترية في المؤتمر التأسيسي للحراك الشعبي الإرتري 

  في كلمته أمام المؤتمر التأسيسي للحراك الشعبي الإرتري، أكد رئيس الإدارة التنفيذية لرابطة أبناء المنخفضات …

دولة إرتريا ترفض تقرير المقرر الخاص لحقوق الانسان في إرتريا-جنيف 15 يونيو 2026- الدورة 62

كدأبها في التعامل مع مسألة حقوق الانسان، رفضت دولة إرتريا التقرير المقدم إلى مجلس حقوق …

تهنئة بمناسبة عيد الاضحى المبارك 2026

  بمناسبة عيد الأضحى المبارك تتقدم رابطة أبناء المنخفضات الإرترية لأبناء الشعب الارتري والأمة الإسلامية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *