مجلة الناقوس- العدد 15- سبتمبر 2026

شخصية العدد: 

الاستاذ / محمود محمد صالح

الجزء الثاني:

ما سبق نشره في الجزء الأول : (عاش الأستاذ وواكب الحراك الوطني الذي شهدته مدينة أغردات في مواجهة المحاولات الإثيوبية لإلغاء الاتحاد الفيدرالي في تلك الفترة. وكان من أوائل الشباب الذين تصدوا لهذه المحاولات، رغم عدم وجود إطار تنظيمي يجمعهم آنذاك.)

نشط الأستاذ في التعرف على أصحاب الحس الوطني للعمل المشترك، والتنسيق لمواجهة المؤامرات الإثيوبية، حتى ظهرت حركة تحرير إرتريا، التي تعرّف عليها من خلال لقائه بالمناضل صالح أحمد إيّاي، الذي كان آنذاك أحد قيادات الحركة أثناء زيارته لمدينة أغردات.

انتمى الأستاذ محمود إلى حركة تحرير إرتريا عام 1959م، والتحق بها كذلك العديد من أبناء أغردات. وقد شهدت تلك الفترة حراكًا وطنيًا فاعلاً، أسفر عن إنشاء لجنتين لتنشيط عمل الحركة واستقطاب الوطنيين إليها: لجنة مركزية على مستوى الإقليم، وأخرى على مستوى مدينة أغردات وضواحيها.

وقد تم اختيار الأستاذ محمود ليتولى رئاسة اللجنتين معًا، الإقليمية والمحلية، وهو ما يعكس المكانة الكبيرة التي كان يحظى بها بين رفاقه، والدور المحوري الذي كان يؤديه في تلك المرحلة.

تمكنت هذه اللجان، خلال فترة وجيزة، من تحقيق نشاط واسع، أسفر عن استقطاب وتنظيم العديد من رجالات وضباط الشرطة والموظفين في مختلف مؤسسات الدولة بالمنطقة الغربية وربطهم بالحركة، ليصبح للحركة وجود قوي وفاعل في أغردات، وكان للأستاذ محمود دور كبير في ذلك.

من ناحية أخرى، شهدت تلك الفترة نشاطًا مكثفًا من أطراف عديدة. ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة الإثيوبية تسعى إلى إزاحة الشيخ إدريس محمد آدم من رئاسة البرلمان، شهدت المنطقة حراكًا مضادًا، وقف فيه الشباب خلف الشيخ إدريس، وكان للأستاذ محمود دور بارز في ذلك، إذ كان يعمل حينها معلمًا في مدرسة هيكوتة، وتمكن من تأسيس منظمة شبابية تحت مسمى “لجنة الخدمات الاجتماعية”، التي لعبت دورًا داعمًا للشيخ إدريس محمد آدم.

لقد لعب الأستاذ محمود أدوارًا كبيرة ومتعددة في تلك المرحلة التي كانت تشهد حراكًا وطنيًا متصاعدًا على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى مستوى الخارج، وصل الشيخ إدريس محمد آدم إلى مصر، وهناك بدأ التحرك لتأسيس جبهة التحرير الإرترية على أيدي الطلاب الإرتريين الدارسين في مصر.

أما في السودان، فقد كان هناك حراك فاعل للعسكريين الإرتريين في الجيش السوداني، حيث كثفوا لقاءاتهم واتصالاتهم، وأرسلوا الوفود إلى الداخل للتشاور حول إمكانية الشروع في العمل العسكري، والبحث في الآليات المناسبة لتنفيذه.

وقد كان للأستاذ محمود محمد صالح دور محوري في التواصل مع هذه الأطراف المختلفة. فعندما وصل أحد وفود العسكريين إلى أغردات والتقى به، طُرحت قضية تحفظهم على عدم إفصاح قيادة حركة التحرير عن هويتها، وهو الأمر الذي ترتب عليه رفض الشيخ إدريس محمد آدم الالتقاء بهم أو التنسيق معهم. كما أبدى العسكريون في السودان موقفًا مماثلاً، مؤكدين ضرورة كشف القيادة عن نفسها لضمان التعاون، وإلا فإنهم سيمضون في طريقهم بعيدًا عنها.

أدرك الأستاذ محمود خطورة هذا الوضع، وما قد يترتب عليه من انقسام في صفوف الوطنيين، خاصة بين أعضاء الحركة في أغردات. ومن منطلق إحساسه بالمسؤولية، توجه إلى مدينة كرن لمحاولة احتواء الأزمة، حيث التقى بالمناضل صالح أحمد إيّاي، أحد قيادات الحركة، ساعيًا إلى إيجاد حل لهذه المعضلة، إلا أن جهوده لم تثمر عن نتيجة، الأمر الذي دفع فرع أغردات إلى تعليق عضويته بالحركة.

ومن خلال هذه المواقف، يتضح أن الأستاذ محمود لم يكن مجرد عضو في الحركة، بل كان حلقة الوصل الأساسية بين مختلف القوى الوطنية، يعمل بلا كلل على توحيد الصفوف وتقريب وجهات النظر، إدراكًا منه أن نجاح المشروع الوطني مرهون بوحدة الكلمة وتكامل الجهود.

وفي إطار هذا الدور المحوري، بادر الأستاذ محمود إلى ترتيب اجتماع تاريخي لمناقشة الخطوات العملية للمرحلة القادمة ودعا إلى اجتماع عُقد في مدينة أغردات.

وقد حضر الاجتماع القائد حامد إدريس عواتي، والشيخ سليمان محمد الأمين والخليفة أبو بكر   ممثلاً للشيخ محمد داؤود، وافتتح الأستاذ محمود الاجتماع، واضعًا الحاضرين في الصورة عن الحراك القائم، والاتصالات الجارية مع مجموعة العسكريين في الجيش السوداني، واستعدادهم للعمل، فضلاً عن الجهود المبذولة لتأمين السلاح.

وخلص الاجتماع إلى اتفاق واضح يقضي بتأمين عدد من الأسلحة، على أن يعقب ذلك الإعلان الرسمي لانطلاق الكفاح المسلح.

إن المتتبع لمسيرة الأستاذ محمود محمد صالح في تلك المرحلة يدرك بوضوح حجم الدور الكبير والفاعل الذي اضطلع به في الداخل للتحضير والتهيئة لانطلاق الكفاح المسلح؛ إذ نجح في ربط وتنسيق جهود أربعة أطراف رئيسية كان لها الدور الأكبر في تفجير الثورة.

يتبع………..

شاهد أيضاً

دولة إرتريا ترفض تقرير المقرر الخاص لحقوق الانسان في إرتريا-جنيف 15 يونيو 2026- الدورة 62

كدأبها في التعامل مع مسألة حقوق الانسان، رفضت دولة إرتريا التقرير المقدم إلى مجلس حقوق …

تهنئة بمناسبة عيد الاضحى المبارك 2026

  بمناسبة عيد الأضحى المبارك تتقدم رابطة أبناء المنخفضات الإرترية لأبناء الشعب الارتري والأمة الإسلامية …

بيان الذكرى الثالثة والثلاثين لاستقلال إرتريا – 24 مايو 1993-2026

تحل الذكرى الثالثة والثلاثون لاستقلال إرتريا في 24 مايو 2026، ولا يزال الشعب الإرتري، بكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *