تحل الذكرى الثالثة والثلاثون لاستقلال إرتريا في 24 مايو 2026، ولا يزال الشعب الإرتري، بكل مكوناته، يواجه في كل عام السؤال الجوهري ذاته:
ما الذي تحقق فعليًا للشعب والوطن منذ إعلان الاستقلال، في ميادين الحرية والعدالة والكرامة؟
لقد قدّم الشعب الإرتري تضحيات جسيمة في سبيل الاستقلال، غير أن ثمار تلك التضحيات لم تنعكس على واقع الدولة والمجتمع كما كان مأمولاً. فبدلاً من أن يقود الاستقلال إلى بناء دولة المواطنة والعدالة والشراكة المتساوية، اتجهت السلطة التي أعقبته إلى تكريس مشروعها الخاص القائم على فرض نهج الهيمنة القومية من أجل احتكار السلطة والثروة، الأمر الذي بدّد آمال قطاعات واسعة من الشعب، من أن تنعم بالحرية والعدالة والمساواة.
ورغم تحقق الاستقلال السياسي لدولة إرتريا، ظل الشعب الإرتري محرومًا من أبسط حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها:
- غياب دستور تستند إليه الدولة في حسن إدارة التنوع.
- عدم إجراء أي انتخابات في البلاد منذ إعلان الاستقلال.
- غياب برلمان يمثل الإرادة الشعبية.
- غياب قضاء مستقل.
- غياب إعلام مستقل.
- غياب مؤسسات دولة ديمقراطية وفاعلة.
- انعدام أبسط الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والتنقل والحياة الكريمة.
وعلى الرغم من المقومات التي تزخر بها إرتريا، والتي كان من شأنها أن تفتح آفاقًا واسعة للنمو والتقدم والازدهار، فإن واقع البلاد يكشف عن أزمة حكم عميقة تجلت في اتساع دائرة الفقر، وتراجع الخدمات الأساسية، وتعطل فرص التنمية، وتآكل النشاط الاقتصادي بفعل هيمنة الدولة على المجالين السياسي والاقتصادي. واقترن ذلك باستمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من اعتقالات تعسفية، واخفاء قسري، وتضييق على الحريات، ما قاد البلاد إلى مزيد من العزلة والتآكل الداخلي، وعمّق المخاوف على مستقبل الدولة، ووجودها ككيان مستقل.
كما تأتي هذه الذكرى في ظل ظروف إقليمية بالغة الحساسية والتعقيد، نتيجة تداخل الأزمات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي على البحر الأحمر وممراته الحيوية. الامر الذي يجعل مستقبل المنطقة مفتوحًا على كافة الاحتمالات التي تشكل تهديداً مباشراً يطال شعوبها ومستقبل بقاءهم في اطار كياناتهم الحالية. كما أن التحولات في السياسات الدولية، بما في ذلك إعادة النظر أو رفع العقوبات المفروضة على إرتريا من جهة، ومن تعديل القيود المتصلة بالدعم الأمني والعسكري بالنسبة لإثيوبيا من جهة أخرى، من قبل الإدارة الأمريكية ، الأمر الذي سيؤثر سلباً على توازنات القوة، وينعكس بصورة مباشرة على فرص الاستقرار، أو احتمالات اتساع دائرة النزاعات في المنطقة بشكل أسوء مما هي عليه نتيجة لغياب الحوار السياسي الرشيد واستمرار منطق الإقصاء والعنف اللذان يفاقمان من انسداد الأفق أمام شعوب المنطقة، ويبددان فرص بناء سلام عادل ومستدام.
أما على مستوى الساحة الإرترية، فإن جوهر الأزمة لا ينفصل عن سؤال إدارة التعدد، ولا عن طبيعة المشروع السياسي الذي حكم البلاد لعقود. كما أن اختزال بعض أطراف قوى المعارضة لأزمة الوطن في دكتاتورية النظام وحدها من دون التوقف بما يكفي عند جذور الخلل في بنية الحكم، وفي كيفية بناء عقد وطني عادل يعترف بمكونات المجتمع الإرتري كافة، ويضمن حقوقها ومصالحها على قدم المساواة، قد أسهم بدوره في تضييق أفق المعالجة.
إن استمرار تغليب المصالح الخاصة على حساب الحقوق العامة، ورفض الاعتراف الكامل بالهويات الثقافية واللغوية لمكونات التعدد الإرتري، من شأنه أن يعمّق الأزمة ويعيد إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها. ولذلك، فإن أي مقاربة جادة لمستقبل إرتريا لا بد أن تقوم على الإقرار الصريح بحقوق جميع المكونات، واحترام تنوعها، ورفض كل أشكال الإقصاء، والاحتكار، والهيمنة السياسية ،والثقافية.
في ظل هذا الواقع المتردي، فإن المخرج من الأزمة لا يكون إلا بالاحتكام إلى صوت العقل، وفتح منابر حوار جاد تقوم على الوضوح والشفافية والاعتراف المتبادل. كما يقتضي الإقرار العملي باستحقاقات التعدد والتنوع في قسمة السلطة والثروة، والعمل على بناء نظام حكم لا مركزي دستوري (فيدرالي) يضمن المشاركة العادلة، ويؤسس لدولة تقوم على مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون، وتحتضن جميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.
المجد، والخلود لشهداء حرية واستقلال الوطن.
والهزيمة لعقلية الهيمنة القومية والاستبداد.
رابطة أبناء المنخفضات الإرترية – الإدارة التنفيذية
رابطة أبناء المنخفضات الارترية منظمة مجتمع مدني، تعمل على الدفاع عن حقوق ومصالح مكونات مجتمع المنخفضات والعمل مع المكونات الارترية الاخرى لبناء دولة العدالة والمساواة، في ظل نظام حكم لامركزي دستوري يسع الجميع.