رابط الجأش (2)  قصة قصيرة ..منخفضات كوم

رابط الجأش (2)  قصة قصيرة

الاستاذ ابوبكر جيلاني... منخفضات كوم

الاستاذ ابوبكر جيلاني… 

باشقير كان من أصحاب الأموال قبل الاستقلال وقبل الثورة الاشتراكية في عدن.بدأ حياته العملية في إريتريا من الصفر في الثلاثينيات من القرن الماضي ثم انتقل إلى عدن بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بعد ما باع كل ممتلكاته التي جناها من  إرتريا. في عدن كان يملك محلات وسفن صغيرة ( سنابك) تنقل له البضائع من وإلى عدن – من مصوع – السويس وموانئ البحر الأحمر الأخرى .

وصلت  أنا أيضا عدن بعد باشقير بفترة من بلادي إرتريا عن طريق جيبوتي وكان يوما عاديا من أيام عملي في الميناء حيث كنت أعمل مترجما للبحارة الذين ترسوا سفنهم بالميناء ولا يتقنون العربية وأنا أتقن الانجليزية  والفرنسية والإيطالية منذ صغري  وقد اكتسبت هذه اللغات من الذين عملت معهم.

رأيت التاجر باشقـيرلأول مرة واقفا في مكان غير بعيد من الرصيف يراقب العمال وهم يفرغون بهمة عالية شحنة الأرز من إحدى سفنه الصغيرة وينشدون بلحن يمني جميل ………

ما في حد مرتاح فيها….غير با شقير

ما في حد مرتاح فيها….غير باشقير

ما في حد مرتاح فيها ….غير با شقير

فريق يرفع …. العبارة الأولى  وفريق آخر يجأر بالعبارة الثانية ….غير باشقير.. هكذا يمضون يومهم الحارق بهذا الموال العجيب.

باشقير يستمع دائما أناشيدهم وربما يستمتع بها وعلى محياه ابتسامة الرضا يشوبها لمحة من الحزن وهم لا يدرون من هو ذلك الرجل الذي يراقب عملهم لفترة كل يوم وينسحب بهدوء فجأة.

هكذا كانوا دائما يقضون يومهم يكافحون التعب والحركة الدءوب من وإلى الرصيف وأكياس الأرز والبضائع الأخرى على ظهورهم – يقتلون الوقت بمثل تلك الأنشودة البسيطة وغيرها إلى أن تتوارى الشمس خلف الأفق البحري .

ذات يوم أراد باشقير أن  ينحوا  منحى آخر ويكسب الأجر في العمال ويكسب الدعاء منهم وربما عجبه عملهم بتلك الطريقة المحببة للنفس. تقدم نحوهم ثم قال باسما بصوت مرتفع، لمن هذه البضاعة يا رجال؟

قالوا  بصوت واحد .تعود لباشقيرالتاجر

قال: هل أحدً منكم يعرف باشقيرالذي تتغنون فيه.

خيم الصمت على المكان برهة ثم قال أكبرهم سنا والله يا شيخ ما نعرفه نحن نعرف مكتب التخليص الجمركي الذي يعطينا هذا العمل لباشقيرولغيره.

وكيف عرفتم هذه البضاعة عائدة لباشقير

قال كبيرهم: من المخلص ثم إن الجلبة ( السفينة) معروفة للجميع، هي تعود لباشقير.

بعد ثوان من التريث قال : أنا باشقير.

ذهل الجميع بما فيهم أنا الذي كنت أرقب الموقف من مكان غير بعيد.

ثم قال تخفيفا للصدمة التي جلبتها إعلانه عن نفسه،  نشيدكم كان رائعاً وجذابا وهو الذي جذبني نحوكم، ولكن أنظروا وكشف عن ظهره الذي ابتليَ بورم كبير يكاد ينفجر في أي لحظة قائلا أريد منكم الدعاء بإخلاص بنية شفائي. ادعو لي وأنا ما أنساكم إن شاء الله بجانب أجرتكم من المخلص الجمركي …. عودوا إلى عملكم.

بدى على محيا الجميع  الحزن مما سمعو وراو ثم بدءوا يرددون أنشودة جديدة بدلا من التي تعودوا عليها:

اللهم أشف ……با شقير

اللهم عافي  ……با شقير

يارب أشف ……. با شقير

يارب نقي…….با شقير

فريق يرفع …. العبارة الأولى  وفريق آخر ينزل بالعبارة الثانية كالعادة.

بعد لحظات أراد  باشقير الذهاب بعد ما أعطى كل واحد منهم ما كتب الله له من “شلنات” .

استمر العمال على ذلك الموال أشهرًا عديدة ينشدون عبارتهم الجديدة بعدما خبروا الحالة الصحية للرجل وهم يذكرون المكرمة التي طرأت عليهم.

بعد فترة أحس باشقير بالتحسن من مرضه فأراد زيارة  العمال بالميناء وقال لهم قررتُ أن أضاعف أجركم اليومي وأبلغت لكم المخلص  بذلك.

فرحوا كثيرا واستمتعوا بهذا الكرم الفياض من با شقير وصاروا يشترون لحمة وخضرة لأطفالهم من وقت لآخر عوضا عن الكرات والعيش الحاف الذي اعتادوا عليه مع ذلك العمل الشاق.

ذات يوم وبعد أشهرعديدة من زيارته الأخيرة ظهر باشقير مستبشرً وقد لبس ثوب العافية وتبدل حاله إلى أحسن حال وظهر بياض وجهه الذي كان محروقا بفعل الداء، وسرعان ما لحظ العمال وجوده فتحلقوا حوله مسرعين. كيف لا وقد أنقذهم من حال بائس إلى حال لا بأس به…

سلم عليهم هذه المرة فردا فردًا وهو يبتسم في ذهول من العمال من السعادة المتفجرة التي لحظوها في محياه.

قال بفضل الله ثم بدعائكم المتواصلة شفيت من الداء الذي شاهدتموه من قبل وكشف لهم عن ظهره مرة أخرى في تواضع وامتنان ليس له نظير وإذا بالورم قد اختفى وبرأ مما كان يعانيه بفضل الله ثم بإكرامه هؤلاء العمال الفقراء ودعاؤهم له..

ز

نقلا عن مجله الناقوس الثقافية العدد الثاني

 

 

شاهد أيضاً

مجلة الناقوس.. لقاء العدد مع الاستاذ محمود آدم – الجزء الثالث عشر

مقتطفات من لقاء رئيس رابطة ابناء المنخفضات الارترية  مع مجلة الناقوس التي يصدرها قسم الثقافة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *