في ذكرى 29 مارس …. وأشياء أخرى

مدخل

في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة سنوات، تقاطرت وفود أبناء المنخفضات الإرترية الى عاصمة الضباب ليعقدوا في ربوعها سمنار إعلان وثيقة “لم الشمل”. وبقدر ما كان الفعل قوياً، كانت ردود الأفعال كذلك. الإيجابي منها في نفس الاتجاه، منسجما مع الرؤى والتوجهات. والسلبي منها في الاتجاه المعاكس، ينكر ويحذر وأحيانا يتندر. معظم الزخم في الاتجاهين كان مصدره أبناء المنخفضات، وما عداهم كان قليلا بل نادرا. وأما المقصود حقيقة بالفعل، فقد التزم الصمت في ترقب، ولا شك انه عاد الى غرفة عمليات الطوارئ ليعدّل خططه بما يتماشى وهذه الصحوة التي ظن بأن أوانها قد فات وإن رجالها، الأحياء منهم والأموات، قد أضحوا رفات.

فإلى بعض الملامح ….

مسمار لندن

هكذا قالوا في ذلك الحين تهكما ولكنهم لم يعلموا أنهم كانوا أقرب الى الحقيقة. ورغم عدم ادعاء أحد ان ذلك السمنار سيكون المسمار الأخير في نعش الهيمنة القومية المتمثلة في نظام “هقدف” ومن لف لفه وخاصة بعض عناصر معارضة ما بعد سبتمبر ٢٠٠١م، إلا إنه من المؤكد، مسمار دُقّ في مكانه الصحيح وان المسمار الأخير في النعش إياه لن يطول الأمد قبل ان يبلغ مداه.

من فوضكم؟

هذا كان السؤال الحاسم في اعتقاد بعض المناوئين الذي سيؤدي طرحه الى سحب البساط من تحت أرْجُل ظنوا أنها رخوة وستردها أول نسمة هواء معاكسة – وليس ريح عاتية – ناكصة على أعقابها من حيث أتت. وهذا السؤال فوق غرابته يشي بفقر مدقع في فهم التاريخ وتجارب الشعوب.

قال أحدهم في مداولات السمنار، لولا موقف الأمريكية الأفريقية روزا باركز التي رفضت ان تتنازل عن مقعدها في مركبة عامة لرجل أبيض، لما كان بإمكان رجل أسود أن يصل الى البيت الأبيض. فمن يا ترى فوضها وفوض مارتن لوثر كينج ومالكوم إكس ومن يا ترى فوض المهاتما غاندي ليترك مهنة المحاماة في جنوب إفريقيا ليعود الى الهند ويقود حركة سلمية تحررية؟ أوليس في جنوب إفريقيا أمثلة أخرى تستدعي التدبر؟ أليس في إفريقيا كوامي نكروما وباتريس لوممبا ما يكفي من الأمثلة. أليست كل ثورات العالم شواهد على فعل المبادرة؟ ولكن لماذا نذهب بعيدا، أليس في إرتريا ما يكفي من الشواهد، الشهيد عبد القادر كبيرى، الشهيد إبراهيم سلطان، الشهيد حامد عواتى والقائمة تطول. والأغرب في الأمر ان كل واحد من هؤلاء قد نصّب نفس حاميا للوطن ووصيا على الآخرين. يا ترى من فوضهم؟

من أين أتى هؤلاء؟

من وسائل الإنكار وسحب البساط أيضا التشكيك في خبرة المنضوين تحت لواء الرابطة السياسية وحنكتهم في الشأن الإرتري، هذا الشأن الذي كل دعي يعد نفسه خبيرا فيه فيملأ الدنيا ضجيجا فيُسمع جعجعة ولا ينتج طحنا. فالبعض لا يرى مجالا للصعود إلا إذا حط من قدر الآخرين، ولكي تكتمل الصورة الزائفة يتناسون إن هؤلاء لديهم خبرات جمعية متراكمة في العمل النضالي الإرتري والعمل السياسي المعارض في شتى مراحله وضروبه فلا مجال هنا للمزايدة. إن مجرد إخراج مثل هذه المبادرة المجتمعية والرؤى السياسية والخطط العملية المرتبطة بها ينبئ عن دراية وخبرة وقدرة لإنتاج حلول لم تُطْرق دروبها من قبل، بالإضافة الى إرادة وتصميم لإنفاذها.

فاتورة الوحدة

من النقاط التي تشبث بها هواة التفكير الرغبوي هي الجزئية التي وردت في “الوثيقة” والتي تقول ان مجتمع المنخفضات لا يجوز ان يتحمل فاتورة الوحدة الوطنية لوحده. وقرأوا ذلك على انه خيار انفصالي. فما هو الخيار إذن؟ أن يظل مجتمع المنخفضات حاميا لحمى الوحدة الوطنية قابضا على الجمر، يزرع ليحصد الآخرون ويكون قدره انه مادام قد صنع هذا الوطن حين تخلى عنه الآخرون، أن يمضي كل يوم يحلم بالإياب فلا يلقى إلا السراب.

دعوة تحَمُّل فاتورة الوحدة الوطنية ذات شقين. الأول، أن يبدي الجميع الحرص على بقاء الوطن. وهذا يستدعي في المقام الأول ان لا تكون ظالما. والثاني، أن تكون الوحدة مؤسسة على التراضي والقبول بالتنوع.

القسمة على إثنين أم على أكثر

يتناسى دعاة الثنائية ان الأصل في دعوتهم للوطن هو الأحادية، بينما فعلهم السياسي هو الثنائية. فالأحادية تعني ان الوطن شب عن الطوق وبلغ الحالة المدنية الكاملة، أي انه لا توجد فوارق من أي نوع سواء عرقية أو دينية أو ثقافية، حيث المواطنة المتساوية في كل شيء وحيث صندوق الاقتراع هو الحكم بموجب صوت لكل شخص. ولكن حين لا يكون هذا المستوى من التطور المدني قد اكتمل، تلجأ المجتمعات الى المحاصصة حسب التوازنات الاجتماعية والاستحقاقات التي بموجبها تُسْتَوْفى متطلبات الكينونة. من هنا أصبحت الثنائية ضرورة، فكانت فيدرالية ١٩٥٢م أبرز تجلياتها. والسؤال الملح هو: هل ما كان مناسبا كحل للمشكل الوطني في منتصف القرن العشرين مناسب لحل المشكل الوطني في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟ ان الاعتقاد بذلك هو عدم اعتراف بأن مياه كثيرة قد جرت تحت الجسر. ليس ذلك فحسب، بل سالت دماء وأُزهقت أرواح وسُلبت ثروات فوق الأرض وتحتها.

لذا يتوجب السؤال: هل ما يقبل القسمة على إثنين، يقبل القسمة على أكثر؟ الرد المنطقي هو بلى. فمقاربات الأمس لا تستوعب إشكاليات وتعقيدات اليوم. لهذا لم تُغفل “الوثيقة” ان الثنائية حقيقة، لكنها أحد مستويات الصراع وان تجليات أخرى للمشكل الوطني صار من غير المنطقي تجاوزها إذا كنا نبحث عن حلول واقعية، جذرية ومستدامة تعيننا على استشراف المستقبل. أما الإصرار على الاستمرار على نهج أوحد، فينطبق عليه المثل الإنجليزي القائل، الذي لا يعرف استخدام آلة غير المطرقة، فكل مشكلة بالنسبة له مسمار.

وحدة المسلمين

احدى التهم الموجهة للرابطة هي ان تحركها يضعف وحدة المسلمين وهذه التهمة خاطئة لأن من يرددها يفترض ان وحدة مسلمي إرتريا قائمة وإن حالة التشظي في الجسم الإسلامي ليست واقعا معاشا في حياتنا السياسية وان هذه الحالة قد سبقت بروز الرابطة بسنوات طويلة. كما ان أصحاب الاتهام لا يعترفون بأن دعوة الرابطة للم شمل مجتمع المنخفضات ومداها الجغرافي تعتبر في جوهرها لم شمل لقطاع واسع من مسلمي إرتريا، وبما أن الأعمال الوحدوية كغيرها من الأعمال ذات الصبغة التراكمية التي تخلص في النهاية الى تغيرات نوعية، كان من الأجدر لمطلقي الاتهامات الالتقاء بالرابطة في منتصف الطريق حتى تكون الأمور في نصابها والا يكون الاتهام حق في ظاهره أريد به باطل في جوهره.

التهميش والتهشيم

المطلوب اليوم حتى تكون إرترياً وطنياً، أن تقبل بأن النظام القائم في البلاد دكتاتوري فحسب وليست له أية صبغة أخرى وأنه لا يحابي أحدا وإن الظلم واقع على الجميع. وعلى ذلك يتساوى مستوى الظلم الواقع على المسلمين عموما وعلى المنخفضات خصوصا مع الظلم الواقع على الآخر – تحديدا قومية التجرنيا. وهذا يقود الى تساؤل: هل من لا يقبل حقيقة تفاوت درجات الظلم الواقع على الإرتريين بصورة صارخة، مؤهل لإنتاج حلول تفضي الى العدل والمساواة. لا يختلف كل من يمتلك قدرة البصر بما يرى بالعين المجردة وقدرة البصيرة لسبر أغوار الأشياء، ان الظلم ليس موزعا بالقسطاس المستقيم، فالظلم الواقع على المكونات الأكثر تضررا لا يعدله أي ظلم آخر، لا من حيث المدى الزمني ولا من حيث الطبيعة ولا من حيث عمق المعاناة التي تجاوزت التهميش (بصورة حسية: ما يصيب اللحم) وهو أصلا كثير وغير مقبول، وبلغت درجة التهشيم (بصورة حسية أيضا: تكسير العظم) مع سبق الإصرار والترصد تخطيطا وتنفيذا ورغم كل ذلك، مطلوب ممن وقع عليه كل هذا الحيف ان يدير خده الأيسر من أجل الوطن وأن يغض الطرف عن نهب ثرواته من أجل الوطن وأن يتجاوز عن التعدي على عرضه من أجل الوطن وأن يقبل سلب أرضه من أجل الوطن. ومن أجل الوطن عليه أن يقول ان الظلم الواقع عليه هو أقل وأهون. هذه هي خلاصة مقاصد من يدعون المنخفضات لتنسجم مع الخط العام وتخوض مع الخائضين وتنتظر راضية مستكينة حتى يأتي الى سدة الحكم ظالم “عادل” آخر بمظهر جديد وحقيقة ستظل مستمرة ومتجددة إلا إذا أوقفت عند حدها.

المكونات …. المكونات

جميل أن نرى هذا المصطلح قد بدأ يأخذ طريقه الى عقول كانت مغلقة دونه والى ألسنة صارت تردده بعد ان كانت تُخوِّن كل من يتجرأ على التلفظ به، لأن أي شيء ما دون الوطن الواحد والقلب الواحد ردة ما بعدها ردة. وهذا الاعتراف ان المواطنة الحقة مرتبطة بمصالح ملموسة هو أول خطوة في الطريق الصحيح نحو العدالة الناجزة.

اليوم وليس غدا

في صميم “الوثيقة” ان يكون الوطن للجميع قولا وحقيقة وإن كانت في النفوس بقية من صدق النية ورغبة في التعايش السلمي، فعلى الجميع التوافق على عقد اجتماعي يُبين الحقوق والواجبات، ويحدد لكل طرف ما له وما عليه، أما أن نساق مرة أخرى بحسن النوايا، والأحلام الوردية بسنغافورة لا ريب آتية، فهذا فعل من لا يفرق بين معنى أن يضحي ومعنى أن يكون الضحية.

عنزة ولو طارت

في عالم اليوم الناس يأكلون ويشربون ويتنفسون سياسة. ولا شيء من حولنا يكتمل دون التعاطي معه من خلال فهم ومنظور يستوعب جوانبه السياسية. فقد قالت الرابطة إنها منظمة مجتمع مدني فقالوا كلا، إنها فقط تنتظر حتى يقوى عودها ويزداد عددها فتعلن تحولها الى تنظيم سياسي. فكان لها أن تقوت وزاد عددها أكثر مما تصورت أو تصوروا ولكنها بقيت كما أعلنت، منظمة مجتمع مدني، أدواتها نابعة من هذا الفهم. فقالوا انتظروا إذن مؤتمرها الموعود وقد كان، فأثبتت بالإجماع غير ما توقعوا. ان الذين ما فتئوا يحاولون حجب ضوء الشمس بغربال واستنساخ الخيال من العدم، لا يعلمون ان هذا المفهوم آخذ في التغلغل والتوغل وسياتي يوم يكون لفعله أثر أمضى من الحسام المهند. فالأيام دول. وان غدا لناظره قريب.
ويستمر النضال …

مرّت ثلاثة سنوات كلمح البصر، فهي بحساب ما تتطلبه التحوّلات المجتمعية قطرة في بحر، ورغم ذلك أُنجز فيها الكثير، وستزداد الوتيرة في قادم الأيام بتراكم الخبرات وتصاعد منحنى التعلّم واكتساب المزيد من الزخم البشري. ولا شك إن الطريق أمامنا ليست سالكة تماما، بل فيها الكثير من المنعطفات الحرجة والمسالك الوعرة، كما أن الأعداء لن يهدأ لهم بال وهم يرقبون هذا النهوض وهذا التصميم وسيفعلون كل ما في وسعهم لإعادتنا الى مربع السكون ولكن الأهداف المجتمعية والوطنية التي من أجلها انطلق مشروع الرابطة جديرة بأن تبذل من أجلها الجهود المضاعفة والتضحيات وكل المؤشرات تدل ان هذا المجتمع كما في السابق، الآن أيضا قادر وسوف يمضي قدما حتى يحقق كل ما يصبو اليه، فلن يضيع حق وراءه مطالب.

شاهد أيضاً

بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيسها: رابطة أبناء المنخفضات الارترية .. وثيقة واضحة وممارسة شجاعة.

– في البدء وبمناسبة الذكرى الثانية لإعلان وثيقة لمّ الشمل لأبناء مجتمع المنخفضات الإرترية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *