هل كان تأسيس رابطة أبناء المنخفضات الارترية ترف أم ضرورة

ابو علي قربل

قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعرج على مسرح الحدث السياسي في ارتريا منذ انفراد تنظيم الجبهة الشعبية بالساحة الارترية بداية ثمانينيات القرن الماضي عندما عمل هذا التنظيم على إفراغ الساحة من القوى الوطنية ذات التأثير الايجابي والمناوئة بل والرافضة لتوجهات وأهداف ومخططات الجبهة الشعبية السياسية والاجتماعية وفي مقدمة تلك القوى تنظيم جبهة التحرير الارترية رائد الكفاح الوطني وقوات التحرير الشعبية اللذين كانا يمثلان البعد التاريخي والوطني لكفاح الشعب الارتري بكل ألوان طيفه السياسي والاجتماعي والديني .
وفي عجالة بعيدة عن التفاصيل المعروفة للجميع فإن الجبهة الشعبية منذ انشقاقها عن التنظيم الأم جبهة التحرير الارترية عملت على تنفيذ مخططات وأهداف مشبوهة لاتنتمي لعراقة وتاريخ وقيم الشعب الارتري وفق المنفستو سيئ الذكر (نحن وأهدافنا) وما إدراك عن نحن وأهدافنا ,

عبر تحالفات مشبوهة محليا وإقليميا ودوليا مستغلة بعض الممارسات المنفلتة والمحدودة التي كانت تصدر من بعض قيادات جبهة التحرير الارترية , وقد كرست قيادة الجبهة الشعبية منذ وقت مبكر أحادية مطلقة لقوى طائفية مدعية بأنها اضطهدت من قبل قيادة جبهة التحري الارترية ضاربة بفعلها هذا عرض الحائط بالوحدة الوطنية والنموذج الارتري الوطني الذي أرسى دعائمه القائد الشهيد حامد إدريس عواتي ورفاقه من الرعيل الأول بنضالهم وتضحياتهم كما يلي:ــ
1/ إلغاء التعامل باللغة العربية داخل تنظيم الجبهة الشعبية واعتبارها لغة دخيلة تمثل الإسلام والمسلمين مع فرض التغرنية في كل مفاصل عمل التنظيم .
2/ إقصاء الشركاء الآخرين في الوطن وتهميشهم وتكريس الهيمنة الطائفية لأبناء كبسا من المسيحيين .
3/العمل على تدمير النسيج الاجتماعي للشعب الارتري عامة ولبعض الأقاليم خاصة وتفتيت بنية المجتمع لصالح جهة طائفية .
4/ تصفية القياديين الأقوياء والنافذين من أبناء المسلمين داخل الجبهة الشعبية والذي يعتقد عراب الجبهة الشعبية أفورقي بأنهم ربما يقفوا حجر عثر إمام طموحاته ومخططاته الطائفية وعلى رأس قائمة من تم تصفيتهم في ظروف غامضة إبان فترة الكفاح المسلح الشهداء محمد على جنوبي وصالح تطو في منتصف السبعينيات وإبراهيم عافه في منتصف الثمانينيات وغيرهم.
5/ تصفية رموز وقادات جبهة التحرير وقوات التحرير الشعبية في المدن السودانية منهم الشهداء عثمان حسن عجيب وهيلي قرزا في الخرطوم والشهداء سعيد صالح وإدريس هنقلا ومحمود حسب في كسلا كذلك محاولة اغتيال الشهيد عبد الله إدريس في الخرطوم وعبد القادر جيلاني في كسلا .

وفي مرحلة مابعد التحرير والاستقلال قامت عصابات حكومة الشعبية المؤقتة بإذلال وسجن الرموز والشرفاء من القيادات التاريخية منهم محمود ديناي وعثمان داير وسليمان زكريا وغيرهم بالإضافة إلى أئمة المساجد والمعلمين والأساتذة خريجي الجامعات الإسلامية والعربية , كما قامت عصابات أفورقي باعتداء آثم على المناضل الشهيد محمد سعيد ناود في مدينة نقفة مسببة له عاهة مستديمة في إحدى عينيه , كما قامت هذه العصابة الحاقدة بتصفية الشهيد عمار محمود الشيخ وشقيقه عبد الحكيم والشهيد عبد الله داوود ركا في مدينة اسمرا كما اعتدت هذه العصابة على الشهيد محمد على ابوجاسم بهدف اغتياله داخل العاصمة اسمرا.
كما مارست الطغمة الطائفية في اسمرا أبشع أنواع التهميش والإقصاء للمكونات التي لاتنتمي لها طائفيا ولدينا من الأدلة الكثير ونذكر على سبيل المثال لا الحصر ماقامت به حكومة الشعبية من نقل المصانع الصغيرة والمستشفيات والورش التي كانت منتشرة في منطقة الساحل الشمالي في فترة الكفاح المسلح إلى المرتفعات وأخلت المنطقة التي تعرضت للتدمير والتهجير من أي مظاهر للحياة بعد أن عاثت فيها الفساد لسنوات طوال .

كما أرست حكومة الشعبية قواعد التهميش والتطهير والتهجير وتدمير ماتبقي من بنية تحتية مهترئة لمناطق المنخفضات بهدف سرقة مواردها وتغيير طبيعتها السكانية والديمغرافية بإحلال مستوطنين من كبسا ونزع الأراضي الزراعية من ملاكها وتوزيعها على المستوطنين الجدد بحجة ان الأراضي في المنخفضات ملك للدولة بعد ان سهلت لهؤلاء المستوطنين القروض البنكية الميسرة .
وعلى مدار الخمسة وعشرون عاما الماضية مارست الطغمة الطائفية الحاكمة في اسمرا أبشع أنواع التهميش والإقصاء والإذلال لأبناء المناطق التي كانت ملاذا آمنا للثورة والثوار إبان فترة الكفاح المسلح تلك المناطق التي دفعت الثمن مرتين مرة إثناء الكفاح المسلح الذي كانت مسرحه الدائم ومرة أخرى بعد التحرير والاستقلال عندما تجاهلتها الحكومة عمدا

ففي ظل هذه الصورة القاتمة والأوضاع المتأزمة والحقوق المسلوبة والظلم الذي يتعرض له إنسان المنخفضات ومناطقه التي دفعت ثمن الحرية باهظا حيث كانت المسرح الدائم للتدمير والقتل والتهجير من قبل المستعمر وفي ظل غياب تام للمعارضة الارترية بمختلف فصائلها وتوجهاتها عن مسرح الإحداث وفي ظل التدمير الممنهج وغياب التوزيع العادل للسلطة والثروة وهيمنة قوى طائفية على مقدرات البلاد والعباد وممارسة تضييق الخناق على الشعب وخصوصا في مناطق المنخفضات وتغييب دور العلماء وأئمة المساجد ومعلمي المعاهد الدينية باختطافهم وسجنهم دون محاكمات من قبل حكومة افورقي الطائفية , ففي ظل هذه الأوضاع المأسوية جاء تأسيس رابطة أبناء المنخفضات الارترية بتاريخ 29/3/2014 في مدينة لندن كمنظمة مجتمع مدني تعمل على تعريف إنسان المنخفضات الذي كان له النصيب الأكبر من التهميش والإقصاء وانتهاك حقوقه وسرقة موارده وتهجير إنسانه ومنع لاجئيه من العودة بوضع العراقيل بحقوقه المسلوبة والعمل مع القوى الوطنية الأخرى من اجل رفع الظلم عن كاهل كل أبناء ارتريا مع التأكيد على الروابط العميقة والتاريخ المشترك ووحدة الهدف والمصير .

إذا المشهد القاتم بعد استقلال ارتريا والانتهاكات العميقة التي تعرض لها إنسان المنخفضات من قبل حكومة افورقي الطائفية وغياب المعارضة الارترية تماما عن المشهد وعن مسرح الإحداث كل هذه الأسباب مجتمعة أدت لبروز الرابطة وتأسيسها على جملة من المبادئ كما جاء على النحو التالي في وثيقتها وثيقة لم الشمل باختصار:ـ
1/ حق الحياة وهو حق طبيعي للجميع غير قابل للتصرف والمساومة .
2/ حق الحريات وهذا حق مكفول للجميع دون تمييز .
3/ حق ملكية الأراضي الأراضي ملك للمكونات الاجتماعية كل حسب مناطقه.
4/ حق العبادة يجب احترام كل الأديان والمعتقدات .
5/ اللغات اعتبار جميع اللغات واللهجات الوطنية متساوية إمام القانون.
6/ الوحدة الوطنية ( وهذا مربط الفرس ) ان تكون الوحدة الوطنية طواعية على أساس الاعتراف المتبادل والقبول بالتعدد الاثني والثقافي وفق الإرادة الحرة ورغبة جميع المكونات الوطنية في ان تتعايش بسلام.
هذا جزء يسير من المبادئ التي جاءت بها وثيقة لم الشمل.

ثم أنجزت قيادة الرابطة وثيقة نظرية العقد الاجتماعي هذه الوثيقة الشاملة التي تنظم العلاقة مابين المكونات الاجتماعية والسلطة وهذا الموضوع سنتناوله في مقال آخر إذا كان في العمر بقية .
إذا وجود الرابطة وتأسيسها في ظل المنعطفات الخطيرة التي يمر بها الوطن عامة وأهل المنخفضات خاصة كان ضرورة حتمية لإعادة التوازن المفقود بفعل حكومة افورقي في ارتريا ومنذ تأسيسها فقد حركت الرابطة كل البرك الساكنة وفتحت كل النوافذ المغلقة مع وضد وأيقظت من كان في سبات عميق وهذا بحد ذاته يحسب لها وليس عليها وعليه فإن ايجابيات وجود الرابطة أكثر من سلبيات وجودها بشهادة الكم الهائل من العضوية الواعية التي حشدتها الرابطة خلال سنوات تأسيسها القصيرة وأختم هذا المقال برسالة الرابطة التي تمثل منهجا عظيما وميثاقا متكاملا لدولة تسع الجميع عبر تنوع مكوناتها فإلى الرسالة( بناء مجتمع قوى وقادر على تحقيق رؤاه المستقبلية ومصالحه البعيدة والقريبة المدى , ويكون قادرا على مجابهة التحديات الماثلة إمامه والدفاع عن حقوقه المشروعة وان يلعب دوره الايجابي المعهود في المساهمة الفعالة في النضال من اجل التغيير الديمقراطي المنشود للتخلص من النظام الديكتاتوري الشوفيني القائم , واستبداله بنظام حكم ديمقراطي يقوم على أساس اللامركزية الدستورية والاعتراف بالحقوق والحريات العامة لجميع المكونات الاجتماعية للوطن , والذي يجب ان يتضمن المصالح والحقوق الخاصة لهذا المجتمع بما يتناسب وثقله البشري وموارده الطبيعية وسعة رقعة أرضه ودوره النضالي الوطني الرائد).

شاهد أيضاً

أرتيريا وأثيوبيا .. بين الحرب والسلام ..

بقلم ابو رامي المتابع للأحداث في القرن الإفريقي منذ تولي آبي أحمد مقاليد الحكم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *