من كتاب ” صمود الهويات ودحض المفتريات ” الفصل الخامس (5)

sumud

الفصل الخامس: معضلات الصراع الثقافي في إرتريا  (5)

مواقف أجنبية ومحلية متعددة ضد الثقافة العربية بإرتريا

ذكر الاستاذ أحمد أبو سعدة وهو مصور سوري واكب الثورة الإرترية في صفوف جبهة التحرير الارترية لفترة طويلة في كتاب له تحت عنوان “إرتريا من الكفاح المسلح إلى الاستقلال” قائلا  إن جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الأسبق  في اجتماعه بقيادة جبهة التحرير الإرترية في الخرطوم في عام 1989 م عندما كان يدير الاجتماعات للصلح بين نظام الدرق الإثيوبي والجبهة الشعبية لتحرير إرتريا ، قال بالحرف الواحد لوفد الجبهة : “إنكم تريدون تعليم أبناؤكم اللغة العربية ولذلك سوف نرى أمركم فيما بعد” وكأنه يقول لهم هذا الأمر غير مقبول من قبل أمريكا الآن .

وقبل ذلك بكثير هناك إشارات من مواقف منظمات وأحزاب غربية تدل على أنها حاملة لواء محاربة الثقافة العربية والاسلام في إفريقيا جنوب الصحراء عموماً حتى بعد خروج الاستعمار الأوروبي من إفريقيا . المتابع قد يلاحظ إن تلك المنظمات غير الحكومية الأوروبية منها والأمريكية تبنت مواصلة الخطط الاستراتيجية التي وضعتها مؤتمرات المستشرقين التي كانت تعقد سنوياً في  بدايات القرن العشرين في همبورج ومدن أوروبية أخرى لمحاربة الاسلام في إفريقيا والعالم. اعتمدت المنظمات والأحزاب الغربية تلك سياسات تحريضية ضد الاسلام ونبي الاسلام خصوصا في الأعوام القليلة الماضية. وما الرسومات المسيئة لرسولنا الكريم محمد ابن عبد الله المتكررة إلا من قبيل هذه الإساءات على المسلمين وعقيدتهم . كما لوحظ في السنوات القليلة الماضية نشاط بعض المنظمات وتبني أراء غير واقعية وغير سليمة وغير صحيحة عن الاسلام والمسلمين في شتى أنحاء العالم بجانب ما تبثه الصهيونية العالمية واليمين المتطرف عن والمسلمين لاستعداء الشعوب الغربية وتحريضها  ضد شعوب العالم الاسلامي . على سبيل المثال تبنت منظمة إتحاد الكنائس العالمية إتهام السودان ممارسة الرق بجنوب السودان في التسعينيات من القرن الماضي واتضح فيما بعد كذب تلك الإدعاءات . وهناك سجل من الاتهامات الغير صحيحة ضد دول ومنظمات إسلامية حول العالم تحتاج من يحصيها ويفندها للتاريخ .

أنشطة منافية للعـَلمانية بإرتريا العلمانية

التنصير في إرتريا ما زال نشطا. في التسعينيات من القرن الماضي تم تنصير بعض الشباب من إثنية مسلمة في منطقة قندع بشكل علني ، وهم للمفارقة كانو على درجة من التعليم وانهوا تعليمهم في دولة عربية . طرد النظام الإرتري تلك المنظمة التنصيرية وأرسل الشباب المتنصرين إلى معسكرات ساوا للتدريب والعمل بالسخرة.

المخططات التنصيرية دائما تستهدف الشباب ليس مباشرة بل عبر وسائل أخرى بهدف الحد من التمسك بتعاليم الاسلام وإضعاف الدعوة الاسلامية واعتبارها راديكالية متطرفة حينا  ورجعية متخلفة أحيانا أخرى لتسهيل منع كل ما يمت بالارشاد الديني،  وترك المجتمع لا دينياً تمهيداَ لسوقه إلى الجهة التي يريدها  المخططون . هذه استراتيجية أخطر من الاستراتيجيات التي سلكتها المنظمات التبشيرية منذ القرن التاسع عشر وهو التنصير المباشر. .

تعليميا النظام الارتري يدعي العلمانية ولذا استبعد المواد الدينية من المناهج التعليمية وحارب مظاهر التدين خلال الفترة الماضية وسمح بأعمال منافية للتوجه المعلن في ذات الوقت.

النظام يرفض باستمرار طلبات استيراد الكتب الدينية ويجبرالأطفال للذهاب إلى مدارس لغة الأم منذ مرحلة الروضة والتمهيدي لقطع الطريق أمام أولياء الأمور من ارسال أطفالهم إلى الخلوة ( القرآن) وتعلم القرآن وإتقان قصار السورالمطلوبة  للصلاة كما هو متبع بإرتريا منذ قديم الزمان .

كما يرفض الاعتراف بشهادات المعاهد الدينية القائمة منذ  عشرات السنين ويفرض على بعضها تدريس اللغة التجرنية ضمن مناهجها دون أن يقدم لها أي دعم.

عرقلة بعض المدارس من أداء دورها

ودرج بعض الموظفين المتنفذين في وزارة التعليم الإرترية عرقلة المدارس الابتدائية القليلة جداً التي سمح لها في التسعينيات من القرن الماضي تدريس المنهج الابتدائي باللغة العربية حتى الصف الخامس . واحدة من هذه المدارس على الأقل هي مدرسة النهضة الابتدائية بكرن تعرضت لمثل تلك المضايقات ، ومنع التسجيل فيها لعدة سنوات حتى فقدت أهميتها وأجبر أبناء المسلمين الراغبين دراسة المنهج باللغة العربية لتركها والتسجيل في المدارس التي تعتمد اللغة التجرنية أو اللهجات المحلية، وهناك عدداً من الحوادث المماثلة لم توثق بعد. والعذر الجاهز في مثل تلك الحالات دائما هو  “عدم وجود مدرسين أكفاء لتدريس المنهج باللغة العربية”.

من المتوقع أن يتدهور التعليم العام بإرتريا ويرتفع الفاقد التعليمي إلى مستويات قصوى خلال السنوات القادمة وهذا ما حذرتُ منه في كتابي ” جذور الصراع حول لغات التعليم بإرتريا ” الصادر عام 2011 م.

الخطة التعليمية  التي وضعت عام 2002 م كانت تستهدف استمالة أكبر عدد ممكن من اولياء الأمور قبول اللغة التجرينية كلغة تعليم وليس التعليم بمعناه المتعارف عليه في مناطقهم لذلك ظلت مخرجات التعليم تتدهور إلى أن وصلت أقصى مداها في عام 2014 م والمتوقع استمرار التدهور لو استمرت الوزارة على خطتها المكشوفة ولم تتبنى خطة جديدة على اسس علمية تراعي الواقع الثقافي للشعب الإرتري.

وماحدّ من فاعلية الخطة التعليمية إلى الآن ليس فقط  تدني مستوى إمكانيات المخططين الفنية والأكاديمية بالوزارة بل أيضا صمود المسلمين ضد تلك  الخطة ووعيْ الشباب الذين يفرون كل يوم من البلاد بالعشرات. وأشك أن يكون الفرار لأسباب اقتصادية أوهربا من التجنيد غير محدد المدة أورفضا للعمل بالسخرة. هناك عوامل أخرى أهمها ضَعفِ النظام التعليمي والاضطهاد الثقافي بالبلاد وعدم وجود أفق للانتقال إلى حكم راشد.

إن مظاهرات الإرتريين في المهجر واحتجاجاتهم المستمرة  في أماكن لجوؤهم وتعريف العالم بما يجري في بلادهم من خلال المظاهرات المستمرة والمتزايدة كل يوم ليس ترفا ولا هو من فراغ ، بل هناك معضلات حقيقية تتفاقم في بلادهم من يوم لآخر ويجب أن يسمعهم المجتمع الدولي ويتحرك لتلافي المزيد من الخسائرأو الانتقال إلى ما هو أسوء والحل ليس بتفويض إثيوبيا إطلاقا.

المعارضة السياسية في المهجر

بغياب الحرية بجميع أشكالها بالبلاد لا يستغرب وجود معارضين للنظام بالمهجر، ولكن للأسف الشديد استهلك جهودهم في الصراع على سراب وفي المكايدات الداخلية والمقالب والاجتماعات الطويلة التي لا طائل ورائها في الوقت الذي يتساقط فيه شباب بلادهم بالعشرات كل يوم . إن عدم ترجل بعض المخضرمين القدامى وتركهم الساحة للشباب الصاعد والعمل كمستشاريين للشباب وخبراء أضر بعمل التنظيمات القديمة التي شردها النظام الإرتري وكأنه يعلم إمكانيات هؤلاء الحرس القدامى .

حتى من أولئك الذين ظهرو حديثا لم يبذل أي حزب حتى الآن جهدًا جاداً كاشفاً معاناة مواطنيهم ومساوئ النظام وأضراره المتنامية على اللحمة الوطنية وزحفه رويداً بالبلاد نحو الدولة الفاشلة والابتعاد بها بعيدا عن متطلبات الدولة الراشدة الديمقراطية التي ناضل الإرتريين من أجلها طويلاً.

إعتقال دون محاكمات

الأخطر من كل هذا غيب العشرات من المدرسين من خريجي الجامعات العربية والاسلامية والدعاة وهم مدرسي اللغة العربية والدين الاسلامي في سجون مجهولة دون محاكمات قانونية علنية الأمر الذي أضر بالمسلمين الذين يريدون التعليم الاسلامي المرتكز على أحكام العبادات والفقة الإسلامي وحرموا من علماء دين ومعلمين كان يؤمل عليهم تقديم الاسلام لمواطنيهم من مصادر صحيحة .

أغلب الشباب المسلمين الذين ولدوا بعد استقلال ارتريا ولم يسجلوا في المعاهد الاسلامية ولم يجدوا تعلم الحد الأدنى من التزامات عقيدتهم  إلا من رحم ربي ، وذلك مرده حجب مظاهر التدين. ربما خطط هذا ليكون بديلا عن التنصير المباشر الذي قد يأتي بنتائج عكسية وصدامات غير محسوبة العواقب .

دعم تنصيري عالمي لنظام يدعي العلمانية

في إطار دعم العلمانية والتعليم باللغات المحلية شبه المحكية بعض المنظمات التنصيرية بدول البنلوكس والاسكندنافيا دعمت بسخاء النظام في مشروعه ربما لاعتبارات تنصيرية ولاعتقادهم بأن هذا الدعم يساعد النظام الحاكم تنفيذ مشروعه التعليمي المؤدي إلى تغيير هوية السكان المسلمين على المدى البعيد، والذي بدوره قد يسهل مهمة المنصرين في المستقبل أو على الأقل يبعد المسلمين عن لغتهم العربية ودينهم الاسلامي بشكل كبير..

بدعم خارجي أنشئت في عهد هذا النظام الإرتري الحالي أكبر كلية كهنوتية بالمنطقة وسمح لبعض المنظمات التنصيرية إقامة مراكز بمناطق مختلفة من البلاد واحدة من هذه المدارس على الأقل انشئت في منطقة اسلامية ( منطقة حقاد بغرب إرتريا) التي تقطنها اغلبية مطلقة من المسلمين إضافة إلى بناء كنائس في مواقع بارزة على طرقات البلاد في مناطق لم يسكنها المسيحيين من قبل قط ويرفض أي نشاط للمنظمات الاسلامية الخيرية بالبلاد

من دلالات ذلك الدعم المادي والمعنوي الخارجي للنظام ما جاء في تقرير صدر في عام 2010 م تحت عنوان الإسلاموية بالقرن الإفريقي (ISLAMISM IN THE HORN OF AFRICA ) جاء فيه عن إرتريا مانصه  ” ليس هناك ما يدل على اجراءات تعسفية ضد المسلمين بإرتريا إلا ما جرى لبعض المذاهب المسيحية موثق بدقة” . الكاتب كأنه يبرر ضرورة الاحتياط والحظر ضد المسلمين الإرتريين طالما هناك منظمات نشطة تحمل كلمة جهاد – وتعمل لتقويض النظام واستبداله بنظام اسلامي على حد زعم ذلك التقرير.

ويستدرك التقرير” وإن ارفقت كلمة جهاد باسم الحركة الاسلامية الإرترية، وإن لحق بالحركة لوماً لارتباطها بالجهادية العالمية، ركزت على القضايا المحلية الأمر الذي أدى لتصنيفها كحركة اسلاموية سياسية. إن المسار الأيديولوجي للاسلاموية الإرترية بعيدّا عن الوضوح ومع ذلك يبدو إنها تتطورنحو قبول مبادئ الديمقراطية وتبتعد عن دعوات العنف المبني على الدين الأمر الذي يبرره عملها مع التحالف الديمقراطي الإرتري منذ أكثر من 10 أعوام وهو تحالف شبه سياسي غير معترف به من قبل النظام ويضم العديد من الأحزاب والتنظيمات العلمانية.”(1) .

مثل هذه الشواهد تدل على حصانة ممارسات النظام الإرتري ضد المسلمين الإرتريين حيث تدعم توجهه بعض المنظمات والمعاهد البحثية وتبرر تصرفاته من بعيد.

قام النظام ايضا في فترة من الفترات بمحاولات تحريض الرأي العام العالمي بتصوير المسلمين كافة كدعاة للإرهاب العالمي ونوه  بإغلاق مدارس تحفيظ القرآن حول العالم حسب ما جاء في بعض وثائق ويكيليكس.

مخرجات تمزيق العالم الثالث

يذكر العالم تصريحات المنصِّر العالمي اشوك كولن يانق الذي أسلم وكشف عن مخطط مدعوم من قبل الحكومات الغربية للضغط على الحكومات في العالم الثالث لإتباع سياسات معينة في مجالات عدة تهدف لخدمة المخطط الكنسي في النهاية حتى لو كانت تلك السياسة مرفوضة من قبل المعنيين وحتى إذا أدت لتمزيق الأوطان المستهدفة.(2)

ما يدل على نجاح تلك السياسة بعض الشيء نرى اليوم تمزُّق بعض الدول الاسلامية وتقسيم بعضها خلال الثلاثين عاماً الماضية منها (الصومال – السودان – إندونيسيا) – واضطرابات في دول أخرى ( العراق – أفغانستان – الشيشان – الجزائر- لبنان – سوريا- اليمن – مصر – ليبيا- الجزائر ). وإرتريا قد لا تكون بمنأى عن المخطط المذكور لو استعصت على المحاولات الجارية لردها لبيت الطاعة الإثيوبية.

لو صح تصريح أشوك كولن  فسنرى تدفق اللآلاف من اللاجئين من بلادهم الممزقة أو المنهارة اقتصاديا نحو القارة العجوز وسنرى بعض زعماؤها يكشفون عن قيمهم الحقيقية وبعضهم سينخلع من الأمواج البشرية المتدفقة إليهم .

وقف خطط الجهات المخربة التي ذكرها اشوك كولن أيُّ كانت هويتها والتعامل مع الأنظمة التي تصدر اللآجئين بحزم وخصوصا تلك التي تتصدر المشهد، وممارسة أوروبا معاييرها المتطورة في مثل هذه الأمور واستقبال اللآجئين دون ما إزدواجية في التعامل واحترام القانون الدولي سيكون الحل الأنسب لتلك الأزمة القادمة والتي قد تستمر لعدة سنوات طالما الأسباب الرئيسية للأزمة قائمة.

المراجع

 

(1) إعداد توجي أوستيبو لحساب المعهد الدولي للقانون والسياسة –  أوسلو / النرويج .

(2) ( مجلة المجتمع العدد 1629 تاريخ 10/12/2004م ) .(2)

 

 

شاهد أيضاً

تهنئــــــــة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 8 مارس

” بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، نتقدم بأصدق التهاني القلبية للمرأة في العالم أجمع، والمرأة الارترية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *