Web Analytics Made Easy - StatCounter

قراءة لتطورات الأحداث في إثيوبيا

الاستاذ محمود ادم

الصراع الحالي يعتبر صراع سلطة من حيث الجوهر بين محوري الحكم التقليدي في اثيوبيا  متمثلا في طرف يسعى لإعادة عهد الدولة المركزية من جديد وذلك ممثل في طرف أبي أحمد وحلفائه من قومية الأمهرا بشكل اساسي في محاولة لإعادة عقارب الساعة للوراء  ارتدادا عن نهج ونظام الحكم الفيدرالي المعتمد دستوريا حتى الآن في البلاد ، ومن جانب آخر الوياني تجراي كطرف مقابل يسعى للتمسك والحفاظ على النظام الفيدرالي القائم الذي ارسوا أسسه خلال الثلاثين عام الماضية ابان قيادتها للتحالف الثوري الإثيوبي وسيطرتها الكاملة على زمام حكم البلاد عقب نجاح ثورتها المسلحة في اسقاط النظام العسكري في إثيوبيا في العام 1991.

ان انتصار الثورة الشعبية لشباب  قومية الأورومو احدث تغييرات ملموسة في موازين القوة داخل الائتلاف الحاكم فرضا على الوياني التخلي عن دورها القيادي لصالح القومية الكبرى في اثيوبيا مما مهد الطريق  لصعود أبي أحمد كممثل لها لتولي قيادة الائتلاف الحاكم ورئاسة الدولة،  والذي بدوره قام بسلسلة من الإجراءات تحت شعار الإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي الذي رفعه، مستهدفا عبره بشكل اساسي الى تصفية نفوذ وسيطرة الوياني من كل دوائر  الدولة الإثيوبية و اجبارها للخروج من المسرح السياسي العام في اثيوبيا وحصر  سلطتها في اطار الحكومة الإقليمية لتجراي مرحليا.

وفي خضم  خطوات التصفية ومحاصرة نفوذ الوياني تلك جاءت اتفاقية الحدود المفاجئة في عملية السلام المزعومة بين إرتريا وإثيوبيا وفي تناسق وانسجام تام مع اهداف اسياس ومخططاته الرامية لضرب تجربة نظام الحكم الفيدرالي الذي كان احد نقاط الخلاف الرئيسية بينه وبين الوياني أولاً، ثم تحقيق طموحات وتطلعات الذاتية لجنون العظمة الذي لبسه من زمن طويل من اجل ان يصبح  الشخصية المتحكمة  على زمام مقاليد دول  المنطقة ثانياً، والذي حالت الوياني دون تحقيقه في السابق،  مما رأى في تلك الأحداث  الفرصة الذهبية لتصفية حساباته القديمة المتمثلة في ازاحة الوياني من طريقه لبلوغ ذلك الحلم المنشود والذي يتطلب تحقيق كخطوة أولى  ربط إرتريا مع إثيوبيا بشكل من الاشكال ضمن استراتيجيته البعيدة للسيطرة على المنطقة انطلاقا من المنصة الاثيوبية.

وما شهدناه وما سمعناه من تصريحات لإسياس وأبي أحمد خلال الفترة الماضية من مزاعم بما يخص طبيعة علاقة إرتريا بإثيوبيا في اعتبارها بلد وشعب واحد وليس بلدين مع شواهد أخرى مماثلة من تصريحات ومواقف تدرج في هذا السياق والمعنى والتي لا يتسع المجال لذكرها وحصرها حاليا، يشكل كل ذلك دليلاً ومؤشراً واضحاً وقاطعا لما يبيته اسياس من نوايا خبيثة وحقد دفين وما يحيكه من مخططات عدوانية خطيرة ضد مصالح شعبنا واستقلاله وسيادة وسلامة ارضه.

 

ورغم اقرارنا بحقيقة  أمر هذه الحرب كونها حرب داخلية بين اطراف إثيوبية متصارعة على السلطة لا يعني هذا  باننا لا نتأثر بنتائجها و مآلاتها ، و نامل ونحرص بأن لا تتطور ويتسع اطارها و ان لا يطول امدها لتشمل آخرين من القوة الإقليمية  والعالمية ذات المصالح في المنطقة و جرها الى دائرتها ، و لذا انطلاقا من مبادئنا الراسخة ومصالح شعبنا ندعو كل اطراف الصراع الإثيوبية المعنية  أن  تسعى لحل الخلافات بينها  عبر الحوار السلمي وذلك لتجنيب إثيوبيا والمنطقة ودول الجوار من الانعكاسات السلبية  المتوقعة والمخاطر المهددة  الناجمة عنها على وحدة واستقرار وازدهار وتقدم شعوب إثيوبيا  أولا  وامن واستقرار شعوب المنطقة  ودول الجوار بشكل عام  ثانيا، وإرتريا بشكل خاص، ليس فقط بسبب علاقات  التداخل الاجتماعي والثقافي التي تربط بين شعب تجراي مع احد مكونات الشعب الارتري و انعكاساته السالبة على امن واستقرار ارتريا ، و لكن أيضا وفاءا لالتزامنا بما  يمليه علينا واجب علاقات حسن الجوار، وما يتطلب ذلك من الوقوف بجانب شعب تجراي في محنته وما يتعرض له من مخاطر انسانية جسيمة في الأرواح وما لحق به من دمار وتهجير ولجوء وعدم استقرار من جراء الحرب المستعرة على ارضه، وذلك بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع وياني تجراي، و بعيدا عن دواعي التشفي  والانتقام لما لحق بنا من اذى  نتيجة التدخلات العديدة للأخيرة في الشأن الإرتري في السابق، و لكن دون الاغفال عن مالها وما عليها تجاهنا.

وعلى قوى المعارضة الإرترية بشكل خاص  مطلوب منها  التزام الحياد الإيجابي في هذا الصراع الداخلي بما ينسجم وحقوق الجيرة وانصاف ونصرة المظلوم او على الأقل من مبدا عدم التدخل في شئون الدول الاخرى ، بعيدا عن  التعلل بمبررات ودوافع عاطفية واهية كواجب الدفاع عن السيادة الوطنية أو ضرورة الوقوف مع الجيش الشعبي والتي لا تعني سواء كان بادراك ووعي ام بدونه الا دعم لموقف النظام   وتدخلاته الغير مشروعة في شؤون الدول الأخرى  وخوضه للحروب  العبثية ضد كافة دول الجوار والتي اوردت خلالها شعبنا موارد الهلاك والدمار وكلفته خسائر باهظة في الارواح والممتلكات  دون ان تكون له أي مصلحة، بما فيها تدخله  الأخير الغير مستغرب في الحرب الحالية في تجراي الى جانب ابي أحمد وحلفائه الذي جاء منسجما مع ماضيه وطبيعته العدوانية ، الأمر الذي يستوجب الادانة والاستنكار وليس الدفاع بأي شكل او أي مبرر كان و ذلك من موقف ومنطلق مبدئي في ان يدان أي تدخل ومن أي طرف كان في الصراعات الداخلية للدول الاخرى .  

وإن المهم في هذا  الوقت  و الشأن ان لا تكون نظرتنا قاصرة ومحدودة فقط على ما يدور من احداث ونتائجه الآنية على الأرض في من ينتصر أو يُهزم من احد الأطراف الإثيوبية المتصارعة دون قراءة النتائج ومآلاتها البعيدة على مستقبل وطننا وشعبنا ودون ان نتوه في متاهات تبادل التهم وسجالات ونقاش من اجل تبرير او دعم مواقف هذا الطرف أو ذلك  كما يلاحظ هذه الأيام في صفحات التواصل الاجتماعي الأمر الذي ساهم في خلق ضبابية  وتشويش في الرؤى  واطلاق مواقف واحكام  متسرعة  بعيداً عن القراءة الموضوعية للأحداث الراهنة  ومآلاتها بعيداً عن التركيز في العدو الرئيسي المتمثل في نظام الهيمنة والاقصاء القومي الجاسم على صدور شعبنا المقهور منذ الاستقلال وعن دوره ومرامي مخططاته الاستراتيجية من وراء مشاركته الفاعلة بكل ما يملكه من القوة  لحسم الصراع الجاري لمصلحة ابي وحلفائه من قومية الأمحرا ضد وياني تجراي في إثيوبيا.

علينا ان لا نأخذ الامر بانه  فقط من منطلق حسابات آنية او تقاطع عابر في مواقف العداء السافر بين اسياس و ابي ضد وياني تجراي بل على انه خطوة ضمن حسابات استراتيجية لاسياس تستهدف في جوهرها النيل والانقضاض على منجز الاستقلال وسيادة شعبنا الوطنية على ارضه المكتسبة عبر نضالات بطولية طويلة وتضحيات جسيمة  خاضها شعبنا بجسارة في سبيل تحقيق تطلعاته المشرعة لتحقيق الاستقلال والذي كان يهدف في تامين وتحقيق الحقوق والحريات المنشودة  والحياة الكريمة في ربوع وطن آمن ومستقر ومزدهر يسع لجميع مكوناته .

ان ما يكنه اسياس من نوايا شريرة وحقد دفين تجاه شعبنا ووطننا لم يزل اليوم سرا يهمس به ولا تلميحا أو إشارات عابرة تذكر هنا وهناك بل اصبح امر جلي وواضح صرح به  اسياس نفسه جهارا بيانا و دون أي حرج في احد خطاباته الأخيرة و الذي أكد عبرها زعمه ونواياه  “بان إرتريا كمشروع دولة مستقلة معتمدة على نفسها قد فشل فشلا ذريعاً الأمر الذي يؤكده واقع الحال المزرى الذي تعيشه البلاد بعد ثلاثين سنة منذ الاستقلال في كل المجالات الحياتية دون استثناء (ناكرا ان ذلك كان  من فعله ) ومضيفا بأن ليس ذلك لأسباب ذاتية متعلقة بسوء إدارة الحكم باي شكل من الاشكال بل لأسباب موضعية ناجمة من كون إرتريا بالأساس كبلد لا تملك مقومات دولة قابلة للحياة والاستمرار بشكل مستقل بمفردها وذلك لقلة مواردها البشرية والمادية المحدودة مستخلصا من ذلك بانها يجب ان تكون جزاء من دولة كبيرة ليعيش شعبها حياة كريمة “وذلك في مفارقة عجيبة  لعملية تدوير مقولة استعمارية قديمة طالما استخدمت حجة ضد استقلال ارتريا  في السابق  حيث استندت عليها وبررت بها الدول الاستعمارية الكبرى الراعية وقتها لمستقبل ارتريا بعد الحرب الكونية الثانية في قرارها لضم إرتريا في دولة فيدرالية تحت التاج الإثيوبي في خمسينات القرن الماضي. الأمر الذي يعني ان انتصار تحالف ابي واسياس في هذه الحرب يعتبر تمهيد الارضية المواتية لتحقيق حلم اسياس ومخططاته القديمة الرامية لربط ارتريا مع اثيوبيا بشكل من الأشكال مرحليا حتى يسهل ضمها في نهاية المطاف.  الأمر الذي يجب ان نعيه جيدا ونحدد على اساسه اين نقف من الصراع الجاري حاليا وكذاك نحدد عبره من هو عدونا/اعدائنا الاستراتيجيين في هذا الصراع الجاري.

 

————————————————–

شاهد أيضاً

يوم المعتقل الارتري ..

يوم المعتقل الارتري .. ذاكرة الضمير الإنساني

من سوء الطالع وسخريات القدر ان يجتمع الارتريون اليوم ١٤ أبريل في كافة دول الشتات …

تعليق واحد

  1. مقال الاستاذ محمود مقال مفيد وتحليل موضوعي للصراع الدائر بين قادة تقراي والحكومة المركزية الاثيوبية ومؤثراته علي الوطن الارتري ومدلولات تحالف اسياس وابي احمد. والمهم في الامر ان نفهم طبيعة الصراعات في المنطقة وان نبتعد عن تايد طرف ضد طرف اخر لان مصلحة مجتمعنا المنخفضاتي ليست مع اي طرف من الاطراف المتصارعة. ان كل الاطرف المتصارعة لا اعتقد ترغب في استعادة حقوقنا الاجتماعية والثقافية والدينية واللفوية المسلوبة والاعتراف بان ارتريا بلد مختلف الاعراق والثقافات والقبول بدولة دستورسية تكفل كل الحقوق الدستورية لكل لمكوناتها في ظل نظام اللامركزي وعلية علينا باتركيز في توحيد صفنا وتعزيز جهودنا لاستعادة حقوقنا المشروعة بغض النظر عن من المنتصر في الصراع الدائر في اثيوبيا لان اهدافنا لاتتحقق الا بوحدتنا بعد الله وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *