أخبار عاجلة

عن مفهوم المرتفعات و المنخفضات: وعن ماهية الإستيطان واللجوء

map

الاستاذ سلمان حامد

يعتقد الكثيرون أن مفهوم “المنخفضات” و ” المرتفعات” يتعلق فقط بتضاريس سطح الأرض، وبتطبيق هذا المفهوم فإننا لن نجد في إرتريا منطقة أشد انخفاضا عن الصحراء العفرية، حيث أنها هي المنطقة الوحيدة التي تنخفض عن مستوى سطح البحر (502 قدم تحت سطح البحر)، إذا، المنطقة الوحيدة التي تستحق أن نطلق عليها منخفض خالص في إرتريا هي الصحراء العفرية، وما عداها يختلف في درجة الانخفاض من حيث الشكل التضاريسي ولكنه يظل فوق مستوى سطح البحر، وبالتالي فإن مصطلح منخفضات هو مصطلح مجازي بحت من الناحية التضاريسية، ولكنه أيضا مصطلح حقيقي وواقعي من حيث الديموغرافيا و الجغرافيا السياسية (جيوبوليتكس).

تشرفت بحضور ندوة في العلاقات الدولية أقامتها جامعة جورج تاون قبل أسابيع قليلة، وقد حضرت الندوة المذكورة برفقة أحد الشباب المسكونين بهم الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لمجتمع المنخفضات الارترية، وهو عضو نشط في رابطة أبناء المنخفضات الارترية، إلى جانب كونه باحث عبقري في طور التشكل، المحاضر في تلك الندوة كان البروفيسر كريستوفر كلافام وهو استاذ متخصص في شؤون القرن الإفريقي، وبالرغم من كونه بريطاني الجنسية إلا أنه يعرف تفاصيل لا يدرك أغلب أبناء المنطقة مدى عمق تأثيرها في حياة شعوبهم، ربما يعرفونها ولكنهم لا يمنحونها حقها من التحليل والتأويل ومن ثم إمكانية رسم السياسات على أسس من المفاهيم الصحيحة التي تعزز التعايش وتضمن الحقوق، قسم المحاضر منطقة القرن الإفريقي إلى منخفضات و مرتفعات ، وهذا ليس من عندياتي، فالمنخفضات تشمل الصومال وجيبوتي وأجزاء كبيرة من ارتريا (منخفضاتنا، إن شئتم ) بالإضافة إلى إقليم الأوجادين في إثيوبيا، وصحاري السودان الممتدة، أما المرتفعات فهي الهضبة الحبشية بوجه عام وهي المنطقة التي تمتد هبوطا من قمة جبل داشن إقليم الأمهرا، منحدرة في كل الإتجاهات وتشمل إقاليم الأمهرا والأرومو والتجراي في إثيوبيا وحتى نهاية الهضبة الحبشية عند منحدرات لبي تجراي غربا ومنحدرات السهل الشرقي على تخوم أسمرا في إرتريا،

كان عنوان الندوة ” الدولة الإفريقية و آليات التشبث بالحياة” أو “ميكانيزمات البقاء في الدولة الإفريقية” دروس مستفادة من شرق إفريقيا:

التقسيم التضاريسي في شرق إفريقيا يستتبع إختلافا كبيرا في طرائق كسب العيش وفي وسائل التنقل وفي أساليب الإدارة والحكم وفي مفهوم ملكية الأرض والاستقرار والارتباط الوجداني بالمكان، فمثلا ، يذكر المحاضر بأنه سأل أحد الشيوخ وهو مسن من دولة الصومال عن ، ما هي حدود الصومال، أو ماهو الصومال ؟، فأجابه الشيخ الصومالي بأن “الصومال هو حيث يذهب بعيري” للوهلة الأولى يبدوا كلام هذا الشيخ الصومالي تعبير ساطع عن مفهوم التوسع والتمدد الذي لا تحده حدود ، ولكنه في جوهره يعبر عن مدى هشاشة مفهوم ” المكان ” لدى المجتمعات الرعوية، بمعنى آخر أن مسألة الإرتباط الوجداني بالأرض ضعيفة لدى هذا الشيخ الصومالي ( كما هو الحال لدى كل المجتمعات الرعوية التي تقطن المنخفضات والسهول) ، حيث يتجه الراعي أينما وجد المرعى الخصب والماء العذب لماشيته ولا يرتبط بالمكان بقدر ارتباطه بالأنعام التي تتحرك فوقها، هي وطنه الذي يرحل معه أينما اتجهت ماشيته، لا مكان للقيود الإدارية في حياته، ينطلق في حرية لا تحدها حدود، ينام حيث تستريح أنعامه وينطلق على أثرها وربما يعود إلى نقطة البداية بعد شهور من الترحال، لا توجد قبور وشواهد للموتى حيث يدفن المرأ حيثما فارقت روحة الجسد كما لا توجد مساكن ثابتة للأحياء مع وجود استثناءات لمراكز حضرية تتناثر فوق سهول المنخفضات.

ومن أهم الخصائص بالنسبة للفوارق الإجتماعية بين مجتمعات المنخفضات والمرتفعات في شرق إفريقيا ، نلاحظ أن سكان المرتفعات تعتنق غالبيتهم العظمي الديانة المسيحية مع وجود أقليات مسلمة تحاول التشبت بالإبقاء على دينها في وسط مسيحي غير متسامح، ويتسم سكان المرتفعات بروح عدائية تجاه “الآخر” عموما، وفي الجانب الآخر نجد أن سكان المنخفضات تدين غالبتهم العظمى بالديانة الإسلامية مع وجود أقليات مسيحية تجاهد هي الأخرى للحفاظ على مسيحيتها وسط مجتمع مسلم مستنكر للمسيحية بشكل عام ولكنه متسامح إلى حد كبير ولا يحمل كراهية للآخر ( في الواقع لا يشعر بوجود الآخر)، لا يتحسس وصول أفراد من مجتمعات أخرى لأن مسألة التنقل من مكان إلى آخر هي القاعدة المتوارثة وليس الإستثناء، فعندما يأتي ضيف جديد إلى قرية ما في المجتمعات المستقرة ( الزراعية) في المرتفعات الإرترية تحديدا، فإن جميع أفراد القرية يحاطون علما بوصول شخص غريب إلى القرية ومن هنا يبدأ التساؤل عن الغرض من وصوله إلى القرية ويتم معرفة خلفياته بشكل دقيق ومفصل ويتم وضعه في حالة ترقب دائم وربما يتعرض للطرد والمضايقة ولا يتم تمليكه قطعة أرض يعتاش منها، ربما يسمح له بالعمل أجيرا لدى أحد السكان ولكنه لا يمكن أن يحلم بالتملك، إلى درجة أن سكان القرية، في حالات كثيرة، يقومون بالإحتجاج إذا توفي شخص غريب في قريتهم لأن مسألة دفن الموتى أيضا مرتبطة بمسألة ” حق حيازة الأرض” يمكن قراءة مقال الأستاذ علي سالم ( قودام عدي قبراي-رابط المقال في أول تعليق بهذا المنشور) للحصول على تصور أعمق بهذا الشأن.

من هنا يمكن أن ندلف إلى قضايا حقوق الملكية الفردية المتوارثة للأرض ، وحقوق الملكية الجماعية المتوارثة للأرض، حيث نجد أن الملكية الفردية المتوارثة ( انتقال حيازة الأرض من الأب إلا أبنائه مباشرة) هي السائدة في مجتمع المرتفعات حيث يمكن تخصيص قطعة أرض معلومة ومحددة للزراعة، بينما نجد أن مفهوم حيازة الأرض في مجتمع المنخفضات يغلب عليه مبدأ الملكية الجماعية المتوارثة، وهو مبدأ قانوني أقرته منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها المختصة بما في ذلك منظمة الأغذية والزراعة ( الفاو ) التابعة للأمم المتحدة، إذ يستحيل تحديد قطعة أرض معلومة ومحددة لرعي المواشي ( إلا في حالات الحظائر المغلقة)، لأن الرعي يقتضي التحرك في مساحات شاسعة ولا يمكن كبح جماح الأنعام عن الحركة الدائبة وغير المنظمة، ويستحيل إجبار الأبقار والأغنام والإبل عن التحرك في الإتجاه الذي تأتي منه رائحة هبوب المطر، كما لا يمكن إسكات أصواتها وهي تنادي على صغارها للتحرك نحو منظر الخضرة الممتدة التي تترائى أمامها من على البعد، وهنا لدينا مجتمع كامل في إرتريا يعتمد أعتمادا كليا في حياته على المراعي الممتدة والغابات المورقة، فبأي حق يتم مطاردته ومنعه من حقه الإنساني في التملك الجماعي الذي تقره كل الأعراف وكل الشرائع الإنسانية؟

ومما يزيد الأمر تعقيدا بالنسبة لمسألة حرمان الشعوب الأصلية ( في المنخفضات غالبا) من حقها في التمتع بحيازتها الجماعية المتوارثة للأرض والتمتع بخيراتها كما ظلت تفعل لآلاف السنين، وجود انفجار سكاني متواصل يقابله ضيق في المساحات المتاحة للزراعة في المرتفعات الحبشية عموما، لا سيما في إقليمي الأمهرا والتجراي، ومن هذه النقطة بدأ تفكير الساسة في الهضبة الحبشية بالتوسع نحو الأراضي المنخفضة وينعكس ذلك في ظاهرة ظغيان الروح التوسعية لدى أباطرة الحبشة في وقت مبكر، ابتداء من عهد الإمبراطور منيليك الذي وضع اللبنة الأولى للدولة المركزية الحديثة في إثيوبيا ثم هيلي سلاسي وطموحاته التوسعية التي أدت إلى ابتلاع إرتريا وأجزاء غير يسيرة من أراضي الصومال ، ثم الحملات التوسعية الأكثر دموية وشراسة في عهد منجستو هيلي ماريام في كل الإتجاهات، وهنا نجد ملاحظة جديرة بالإنتباه وهي أن المنطقة التي نطلق عليها اليوم ” المرتفعات الإرترية” لم تكن بها كثافة سكانية هائلة قبل ثمانين أو مائة عام تقريبا ، وكانت هناك فراغات سكانية مما سمح بنزوح أعداد إضافية من إقليم التجراي في إثيوبيا إلى إقليم المرتفعات الإرترية لوجود غطاء ثقافي تمثل في تشابه في اللسان ( اللغة) والخلفية العرقية والديانة، إن الخدعة التي لا يمكن للمتابع العادي ملاحظتها هي أن السكان الذين نزحوا من إقليم التجراي نحو المرتفعات الإرترية نتيجة لإغراءات فرص العمل التي أتاحتها عملية تنفيذ مشاريع البنية التحية من قبل المستعمر الإيطالي ، سهلت عملية اندماج هذه المجموعات السكانية في مجتمع المرتفعات الإرترية ، مما شكل عامل جذب لا يمكن مقاومته لإستمرار عملية النزوح المستمر من إقليم التجراي نحو إرتريا، حيث انتقلت الموجات السكانية من إقليم التجراي والتحقت بسوق العمالة التي وفرتها مشاريع الطرق والجسور ومشاريع السكة الحديدية والمباني الحديثة والمشاريع الزراعية الإيطالية في إرتريا. وتدريجيا تمددت جحافل السكان القادمين من إقليم التجراي نحو إقليم المنخفضات الإرترية شرقا وغربا ، وتركزت الموجات الأولي لهذه الموجات في المراكز شبه الحضرية والمدن الكبيرة في المنخفضات، تم توسعت شيئا فشيئا.

إن الدافع الأساسي لهذه الموجات لم يكن فقط وجود فرص عمل وإنما الإحساس العام بأن مسألة تملك الأرض أو السكن والإستقرار في المنخفضات الإرترية كان أمرا مشاعا ( تقريبا) ،بالرغم من أن سكان المنخفضات عموما يعرفون أن مسألة الأرض هي حسب الأعراف تعتبر محسومة ولا جدل بشأنها لأن كل المكونات السكانية في المنخفضات تعرف تماما أين تقع حيازتها الجماعية المتوارثة من الأرض، ترعى فيها وتتنقل فيها كما تشاء، ولكن لأن السلطة الحاكمة في كل العهود السابقة كانت منحازة لمجتمع المرتفعات الإرترية وعملت دائما على تسهيل عملية الإنتقال والتملك دون ضجيج، ومن هذه الثغرة وجد التوسع والإستيطان مخرجا لمعالجة مشكلات تملك الأرض في المرتفعات دون رقيب أو وازع من سلطة ولا مقاومة مجتمعية ملموسة.

إن أساليب التوسع السكاني أو الإستيطان وقضم أراضي المنخفضات الإرترية شيئا فشيئا، و الذي حدث في العهدين الإيطالي والإثيوبي، لم يكن كافيا لإشباع نهم القيادات السياسية لأبناء الهضبة الحبشية عموما في التوسع والهيمنة الكلية على أراضي المنخفضات الإرترية وتخفيفها من سكانها الأصليين بمختلف الوسائل، ويمكن المجادلة هنا بأن الثورة الإرترية، وانكسار جبهة التحرير الإرترية على وجه الدقة، شكل فرصة على طبق من ذهب لقيادات المرتفعات الإرترية مكنها من تطبيق مشروع الإسيتطان و التوسع السكاني تحت غطاء ” المواطنة الإرترية” لكل مواطن إرتري الحق في أن يسكن فوق الأرض الإرترية في أي مكان شاء، وأن الأرض ملك للدولة تعطيها لمن تشاء وتطرد منها من تشاء، والأرض لمن يحرثها، هنا وجد مشروع الإستيطان مسوغا قانونيا وحماية من الدولة الإرترية وتمويلا منظما وسخيا إلى جانب انخداع سكان المنخفضات الإرترية عموما بأن الدولة الإرترية تتربع فوق هرمها ” سلطة وطنية” تقف من جميع المواطننين على مسافة واحدة، أو هكذا يفترض بها أن تكون، بينما تثبت الوقائع يوما بعد آخر بأن إرتريا بعد التحرير ، تحكمها شلة وضعت كل استثماراتها لخدمة مشروع التوسع والهيمنة والإستيطان، كل ما حدث قبل استقلال إرتريا من مويجات نزوح سكاني من المرتفعات الإرترية وما بعدها إلى المنخفضات الإرترية يعتبر عرض تشويقي ومحاولات غير ناضجة تمهيدا للفلم السينمائي الكبير الذي يلعب دور بطولته الحصرية أسياس افورقي دون منازع، فبينما كانت جموع الشعب الإرتري ترقص مغشيا عليها من فرحة الإستقلال والحرية، أخرج إسياس أفورقي خريطته ” للأمة الإرترية” والتي ظل يحتفظ بها في جيبه طوال سنين نضاله ضمن الثورة الإرترية، فرش أفورقي خريطته السكانية ” ديمغرافية إرتريا بعد ثلاثين سنة” وضع الخريطة فوق الطاولة وأخذ ينفذ بنودها بندا بندا، وعلى عينك يا تاجر، واللي ما عجبه يشرب من البحر، واللي يرفع راسه فـــسيف السلطان مسلول على مدار الساعة.

يمكننا التساؤل هنا عن، لماذا لم يتمكن سكان الهضبة الحبشية من التمدد نحو جيبوتي وابتلاعها مثلا، لماذا فشلوا في اختراق التجمعات السكانية و التمدد بإتجاه الصومال سكانيا؟ في حين أنهم تمكنو من التمدد والتوسع ، بل وفرض سلطتهم المطلقة على كامل الأرض الإرترية بما في ذلك المنخفضات الإرترية، ما السبب ؟ السبب ” ربما” برأيي المتواضع يكمن في الطيور المتشابهة ، تجربة: ضع خمسون عصفورا من ذات الألوان المتشابهة، ضع عشرون منها في قفص واحد وثلاثون منها في قفص آخر مجاور، زود أحد القفصين بكل ما يلزم الطيور من أغذية وماء ودع الآخر مقفرا بلا زاد، افتح القفصين على بعضهما، حاول أن تراقب حركة الطيور بين القفصين بدقة شديدة، ستجد أن الطيور كلها تجمعت داخل القفص الأكثر جاذبية لها ، مستمتعة تتمرغ بأجنحتها وتتقافز في حبور، اضرب صفارة ” حان وقت النوم” وحاول أن تعيد كل مجموعة إلى قفصها، هل نجحت التجربة؟ لا، لم تنجح، إذا، حاول أن تهمس في أذن كل واحد من العصافير واحدا تلو الآخر ، أين كنت تسكن قبل فتح حدود الأقفاص؟ ستجد إجابة واحدة من الجميع ” كنت أسكن في القفص أبو موية وعيش” وهذا بالضبط ما حدث في إرتريا في خضم زحمة النضال ومهرجانات التحرير التي تخللتها حملات التجنيس السرية المنظمة، ولات حين مناص.

التجمعات السكانية بشكل عام تتحرك من مواطن الشدة والخوف إلى مناطق الأمان والسعة مدفوعة بغريزة التشبث بالحياة، ولهذا فإن الهجرات وموجات اللجوء لازمت وجود المجتمعات البشرية فوق الكرة الأرضية. المهاجر أو اللاجئ يأتي طلبا للحماية من ضرر يكاد يلحق به في موطنه الأصلي ومن الطبيعي أن تقدم المجتمعات المضيفة الحماية والرعاية اللازمة لمن يأتي إليها طلبا للحماية، وبتطور البشرية وتقدمها أصبحت القوانين ملزمة للدول حيث تقوم بتقديم العون والرعاية والحماية لمن يأتي إليها خائفا من الأذى أيا كان نوع هذا الأذي وأيا كانت مسبباته.

هذا كوم، والإستيطان السكاني كوم آخر، فاللاجئ، مثلا، يعيش بين أفراد المجتمع المضيف كأحد أفراده يتمتع بكل الحقوق ( أو بعضها) ويعطي ما عليه من واجبات ولا يفكر مطلقا في فرض سطوته ولا لغته ولا ثقافته على المجتمع المضيف، يلتزم حدوده ويعمل على الإندماج بقدر ما يستطيع، وإذا لم يستطع يحتفظ بخصوصيته ولا يعمل على فرض نفسه على مضيفيه، أما المستوطن فإنه يأتي نافخا مناخيره بطرا وكبرياءا، ويعمل بكل طاقته لفرض سطوته على المجتمع المضيف، يحاول إلغاء المجتمع المضيف ” النائم غالبا” أو العاجز عن رد الظلم في بعض الحالات، هنا يكون المستوطن هو الآمر والناهي، يتقمص شخصية السيد الجديد ويعمل على تدمير البنية الإجتماعية للمجتمع ” الضحية” يستغل في غالب الأحيان سفهاء ومغفلي المجتمع المضيف و يحولهم إلى معاول هدم لمجتمعهم، يعمل على تقزيم دور أعمدة المجتمع ” المتعلمين والتجار والرأسماليين والأشخاص المستنيرين عموما” يفتعل الأسباب للتضييق عليهم وإخراجهم من أرضهم ويفتش المبررات للإعتداء والتضييق وتحويل الحياة عموما إلى حجيم لا يطاق، يهدم فقط ولا يبني في هذه المرحلة، ينتظر الوقت الذي يستريح فيه من وجود أي تهديد محتمل من المجتمع “الضحية” وعندما يتيقن بأن الضحية لم يعد مصدر تهديد وأنه قد تم تحييده أو إخضاعه بشكل كامل يبدأ ببناء حياة جديدة له وللإجيال من بعده. وتستمر سنة الإستخلاف بلا توقف، والمجتمعات الغشيمة تأكل نارها في مثل هذه الحالات وتخسر ما بيدها غفلة وحسن ظن ، تم تعيش بقية عمرها تعض اصابع الندم في ما فرطت من حقها في الوجود وتسامحت فيما لا يمكن المسامحة ولا المجاملة بشأنه.

يبدوا أن هذا هو بالضبط ما يحدث معنا في إرتريا، المشكلة الكبرى هي أن أبناء مجتمعنا لم يحددوا بعد مالذي يجري بالضبط ، هل هو استيطان وسلب وتذويب منظم أم أنه قهر سلطان طبيعي لا يفرق في قهره بين هذا وذاك.

الأيام وحدها كفيلة بإزاحة الستار عما يجري في أدمغة القوم واللي في القدر تبينه الملعقة. فدعونا ننتظر خروج الملعقة، إن سمح لنا بالبقاء حتى ذلكم الوقت، لا نتلاوم ولا نتنابذ على الفاضي.

شاهد أيضاً

سبتمبر قيمة نضالية تتوارثها الاجيال

بقلم/عثمان اسماعيل بمناسبة الذكرى ال 57 لانطلاق الثورة الارترية بقيادة البطل الشهيد حامد ادريس عواتي، …

3 تعليقات

  1. Avatar

    مقال دقيق في وصفة للحالة الارترية عموما وتشخيص سليم لنوايا الهضبة من خلال شواهد على الارض كما ان الستار قد انزاح والملعقة خرجت وقد بان ما بالقدر وليس هناك ما ننتظره من اراد البكاء فاليبكي ومن قال لاء فاليعمل … شكرا سلمان على هذه الروعة

  2. Avatar

    شكرا سلمان على العرض الرائع لحديث الباحث البريطاني كرستوفر واسقاطة على واقع عملية الاستيطان الممنهج على اراضي المنخفضات الإرترية ، ومايعطيه مصداقية أنه على لسان خبير أوربي متخصص حتى لايؤخذ على أنه دواعي مناطقية دون الوطنية كما يدعي المستفيدون من سياسة الأرض في ظل النظام الطائفي ، لصبغها بمشروعية زائفة لاتستند للحق التاريخي لحيازة الأرض لملاكها الاصلين .

  3. Avatar

    شكرا استاذ سلمان حامد .. تحليل دقيق للواقع الذي نعيشه في ارتريا ورياح الظلم والجبروت التي تاتينا دوما من الهضبة الاثيوبيه.
    والادهى والامر ان ارتريا كانت اضعف الزوايا المحاذيه للحبشه اذ ان الشعوب التي كانت تقطن ارتريا كانت شعوب مسالمه مقارنة بالزويا الاخري (الصومال والسودان) . فالملوك الاحباش ذاكرتهم مازالت تجتر اجتياح السلطان احمد قوري لاثيوبيا .. وكذلك الثورة المهديه وتهديدها للحبشه.اذن فارتريا كانت الغزالة التي لابد من افتراسها.
    لك الود والشكر استاذنا الفاضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *