طرح نظرية العقد الاجتماعي من قبل الرابطة وضروراتها الآنية

 أبوبكر صايغ
يعرف العقد الاجتماعي بأنه الرابط الذي يحدِد العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة وبين سلطَة الدولة، حيثُ تنظم أسس هذهِ العلاقة مِن خِلال أنظمَه وقوانين تحدِد ذلِك على أساس الاحترام المتبادَل لبناء المجتمع على أسس سليمة.
طرح جديد فرضته عوامل كثيرة نتيجة للعقبات التي اعترضت مسار الدولة الإرترية التي فشلت حكومتها طيلة ربع قرن من الزمان في خلق الأرضية التي تؤسس للتعايش السلمي واحترام حقوق الانسان وفرض مقومات العدالة والمساواة بين كل مكونات المجتمع الإرتري المتعدد الثقافات .

الحكومة الإرترية التي تأسست وتكونت من الارث النضالي للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا عملت على مدار ربع قرن على فرض هيمنة قومية معينة ثقافيا وسياسيا ولغويا ومكنتها من السيطرة على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والمرافق الخدمية، الأمر الذى أدى الى خلق حالة من التنافر والشك وعدم الثقة بين قومية التقرنية المهيمنة وبقية المكونات الأخرى المهمشة. هذا الوضع تسبب في تدهور الاوضاع الاقتصادية وعدم عودة اللاجئين – منذ محرقة عد ابرهيم في منطقة القاش في عام 1967م وما تلاها من محارق، ذلك العام الذي بدأ فيه اول استيطان مدعوم من المستعمر الاثيوبي- ونزوح الآلاف الى منافى الغربة مرة أخرى لان السياسة الطاردة التي اتبعتها الحكومة الإرترية التي تسيطر عليها قومية واحدة أدت الى هجرة غير مسبوقة للإرتيريين .
عوامل كثيرة أدت الى ظهور نظرية العقد الاجتماعي وآراء الفلاسفة المنظرون لها، وهي في الأساس تتمحور حول إن الأفراد كانوا يعيشون على الفطرة يتمتع كل واحد منهم بحرياته دون أن تكون هناك حدود أو قيود تحد منها، ولكن الحرية المطلقة أدت إلى الفوضى والاضطراب، لأنه إذا أراد الكل أن يعيش حرا فان الكل سيعيش عبدا، فحيث الحرية المطلقة توجد العبودية المطلقة، ولذا فان الأفراد اتفقوا على أن يخرجوا من حياة الفوضى إلى عهد النظام وقبل كل واحد أن يتنازل عن بعض امتيازاته ، وان يعيش مع الآخرين وفق قواعد يتم الاتفاق عليها بين الجميع وتحت إمرة سلطة توفق بين المصالح.

الاوضاع المزرية التي وصلت إليها الدولة الإرترية تحتم على كافة ألوان الطيف الإرتري المعارض بقواه السياسية والمدنية النهوض والوقوف صفاً واحداً في مهمة تحمل المسؤولية الوطنية ووضع حداً للخلافات الثانوية، والاتفاق عبر الحوار البناء لوضع حجر الأساس لإبرام عقد اجتماعي جديد يمهد الأرضية لبناء دولة العدل والمساواة بين كافة مكونات الشعب الإرتري المغلوب على أمره، لأن الوضع السائد الآن في البلاد نتيجة لهيمنة قومية أحادية على كل مقدرات وإمكانيات الدولة سيؤدى حتما الى صدام مسلح تكون عواقبه وخيمة على الجميع، وإن الذين يشعرون اليوم بأنهم أقوياء نتيجة لسيطرتهم على البلاد والعباد بكافة الوسائل القسرية والاقصاء والتهميش سوف لن يدوم لهم هذا الوضع، لأن القوة الهوجاء وحدها لا تكفي لضمان مستقبل آمن وخال من النزاعات والحروب .
يجب أن يفكر الجميع في وسائل ومخارج حقيقية تعالج أس الصراع تكون منجاة لنا من الوضع السيئ الحالي وتفادي أسبابه ونتائجه الكارثية عبر تضافر كل الجهود والقدرات الوطنية المخلصة والتي تقدم مصلحة الوطن والمواطن فوق كل المصالح الأخرى، وإجراء حوار جاد للخروج من عنق الزجاجة والوضع المزرى للمعارضة الإرترية الحالي، وهو وضع بالتأكيد يحتم على كل وطني غيور أن يسهم بجهوده وخبرته لإنقاذ الوطن لمصلحة الشعب الإرتري الذى يعاني الأمرين بين شوق عارم للعودة للوطن وتضميد جراح الغربة، وسلطة قمعية طاردة تهمين على مقدرات البلاد .

إن الشعب الإرتري اليوم بحاجة الى حياة يسودها التفاهم بناءً على حوار وطني خالص يضع مصلحة كافة المكونات الإرترية وحقوقهم كأولوية، وهذا لن يتأتى إلا بالجلوس معا والإقرار بالوضع الحالي للاتفاق على صيغة تعاقد اجتماعي جديد مبني على التفاهم والقبول بالآخر ارضا وثقافة ولغة ودينا وطموحات وحقوق .
وان وجود الدولة مرهون بالتوافقات المشتركة التي تقرها مكوناتها عبر الحوار لإقامة نظام اجتماعي يحقق العدل العام لتعدد المصالح وتناحرها، وتوفير حريات مدنية، وبناء مجتمع مبني على الاحترام المتبادل والعدالة والمساوة.

لماذا نظرية العقد الاجتماعي اليوم؟
الحقيقة الناصعة التي لا تقبل القسمة والجدال هي أن الحكومة الإرترية فشلت في بناء وطن يسع الجميع ويحفظ ويضمن لكافة المكونات الاجتماعية والقومية حقوقها بناء على عقد اجتماعي يتوافق عليه الجميع، يصاغ بموجبه دستور ينظم العلاقات بينهم ويحمي حقوقهم التاريخية والثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك، حيث جاءت فكرة العقد الاجتماعي إيماناً بضرورة الخروج من الازمة المزمنة للشعب الإرتري والمتمثلة في الفشل في ادارة تعدده والحالة المتأزمة التي وصل إليها الوضع الإرتري بين حكومة تهيمن عليها قومية واحدة وبين معارضة مشتتة الأطراف، والرغبة في إقامة مجتمع منظم لإقرار الحقوق المدنية للمواطنين، وإيجاد معادلة موضوعية تنظم الحقوق بين كافة المكونات القومية، وإقامة حكومة على أسس قانونية تنظم علاقة الحاكم والمحكوم وتنظم العلاقات في المجتمع على أساس ثابت مبني على العدل والإنصاف والابتعاد عن الصراعات التي تنتج من الظلم بكافة أشكاله في المجتمع .
لذا فإن المبادرة التي طرحتها رابطة أبناء المنخفضات كمنظمة مجتمع مدني بهذا الخصوص أرى إنها تصب في صميم هذه الغاية التي تقودنا للوصول الى شكل من أشكال العقود التي يلتزم بها كافة الاطراف لبناء وطن مستقر ومتطور وآمن، وللتشجيع على حدوث التقارب بين كافة المكونات وحدوث تفاعل اجتماعي إيجابي يؤدى الى الاستقرار المنشود.
إن المبادرات الخلاقة التي تضع مصلحة الشعب والوطن فوق كل الاعتبارات جديرة بأن تجد الاهتمام والمساندة والدعم نظراً للوضع المأساوي الذي وصلت إليه الحالة الإرترية، وللخروج من هذا المأزق يجب تضافر كل الجهود المخلصة للاتفاق حول بنود واضحة المعالم واتفاق مبني على عقد اجتماعي يتراضى عليه الجميع ويتعهد بموجبه الجميع بالالتزام به لبناء وطن يسمو على كل الجراحات والآهات ويعالجها .
هلا أستوعبنا المخاطر المحدقة لنتفق حول ميثاق عقد اجتماعي جامع يحفظ الحقوق ويكرس دولة القانون والمساواة والعدالة؟

.
.
.……………………………………………………………………..………

شاهد أيضاً

العقد الاجتماعي2- munkhafadat

العقد الإجتماعي حل مناسب لمشاكل إرتريا المزمنة

 محمد نور موسى المخاوف من انفراط عقد الوحدة الوطنية تأتي على رأس قائمة القضايا التى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *