Web Analytics Made Easy - StatCounter

صناعة الغضب

بقلم الأستاذ: محمد ناود

(ان الظلم لا يصنع الثورات ولكن الإحساس بالظلم هو الذي يصنع الثورات).
خالد سعيد أيقونة الثورة المصرية والطفل حمزة الخطيب عن الثورة السورية والكثيرين أمثال التونسي محمد البوعزيزي وبائع السمك المغربي محسن فكري، كانوا جميعا تعبيرا قاسيا عن مدى عنف وهمجية السلطة وإذلالها للوطن والمواطن.. هذه الأيقونات حية ومتقدة منذ تفجرها في ذاكرة إنسان هذه البلدان ولدى كل ذا ضمير ومحفزة للاستمرار على رفض نهج الإذلال والقهر الذي تمارسه السلطة.. وذلك نتيجة ما تملكه بشاعة الصورة وتفاصيل كمية الأذى الذي تحملته أجسادهم وطول الزمن الذي حقق هذه الكلفة من الألم في حياة الشعوب من خلال إنهاء حياة خالد سعيد وحمزة الخطيب والكثيرين في يوميات ممارسة سلطة الطغاة والتغييب (وهنا كان الإحساس بالظلم)..

في حالتنا الإرترية التي لا تختلف في مأساويتها وتعاسة إنسانها من حيث التغييب والترهيب والإذلال عن حالة هذه البلدان ورغم أننا نمتلك الأيقونات بالقدر الكافي الذي يفجر غضبنا (وجود الظلم) الذي يمكن أن يحيل طلوع كل فجر جديد على النظام الى شكل آخر من الجحيم.. إلا أنه في حالتنا الأيقونة ساكنة تكاد لا تقلق راحة الذاكرة وتعيش فينا وفق التفصيل اليومي العادي الذي يمر به الإنسان الإرتري وذلك ليس لأنها (الأيقونة) أرادت ذلك واختارته كمصير شخصي وقدر ذاتي تعيشه وحدها وتتحمل نتائجه وحدها، وإنما المنهجية التي ترتكب بها الطغمة الحاكمة الجريمة دون ان تترك اية تفاصيل أو صورة أو مواد حسية تعزز ذاكرة الألم والفقد لدى الإنسان الإرتري.. فقط الغياب!!! لا شيء آخر.. ماذا بعد الغياب؟  هنا مساحة التوقع والتخمين مفتوحة بحيث تتعب متقصيها فيلجأ الى السهل المريح التوقف عند صيغة الخبر ويوميات المغيّب تظل مجهولة بحيث لا تبني وجعاً أو تضامنا بينه وبين جمهور المواطنين فيظل مجرد حدث كغيره من الأحداث المشابهة ومراكمة ساكنة ومعتادة لا تكفي لاستفزاز الرفض والثورة على واقع الحال تماما كما في حالة البلدان التي شهدت الثورات والانتفاضات..
حقيقة نحن كمواطنين إرتريين لا نملك حتى مجرد الخيال للكيفية التي يتم بها إنهاء حياة المغيبين والمختطفين في سجون النظام بمعنى آخر يغيب لدينا الإحساس بالظلم.. لا أدري لماذا لم نتخيل ذلك؟ هل يرجع ذلك الى تعلقنا بأمل عودتهم الينا مرة أخرى وبالتالي لا مجال لأية خاطرة قطيعة على البال؟
باعتقادي ان بلورة الإحساس بالظلم هو العملية الجوهرية التي يجب ان تتم في حياة الشعوب المقهورة حتى تستعيد عافيتها وسويتها في مدافعة الظلم وهي مهمة موكلة بالكامل وتمام الوعي لدى الفرد والجماعة بحيث لا يستثني كل حركة أو سكنة من فعل النظام إلا وأطرها ضمن هذا الهدف ويبرزها بشكلها القاسي الجاف الذي يستفز مكامن الغضب الذي يترافق وكرامة الإنسان وحقه في العدالة والحرية وليس الغضب الغريزي الذي يهدر الإنسان ذاته..

هنالك العديد من صفحات المواقع والأقلام الجميلة الرائعة المسكونة بهموم الإنسان وقضاياه تبذل قصارى جهدها ان توثق لحالات الانتهاك والتجاوز المر على الحق في الحياة.. ترسم بالحرف صور تكاد تطابق الواقع الأليم الذي يعيشه إنساننا المغيّب والمعتدى عليه وهي في غالبها كتابات عن معايشة حقيقية كما في حالة الكاتب والأديب والسياسي المخضرم / أمير بابكر الذي كتب عن الغولاغ الإرتري بحرفية عالية تنقل لك عذابات السجون وكان بحق في تلك السلسة غرامشي المسلك يتجاوز ألمه الذاتي الى وجع المقهورين والمعتقلين الذين كانوا يتشاركونه المحنة فشرع مواساة لهم ان يوثق حالاتهم ويسمع آهاتهم متخليا عن حاجته القوية الملحة للصراخ..
وفي ذات السياق تأتي اعترافات مسؤول جهاز الأمن السابق سعيد صالح مع راديو أسنا ومدى استعداده في فضح ممارسات النظام وكيف انه من الممكن في ظل هذا النظام ان يكون الابن هو جلاد أبيه وقاتله أيضا ضمن القصة التي ذكرها وبغض النظر عن مدى المصداقية من عدمها فيما يسرده المدعو فرو 12 فان هذا السرد مدعاة للتأمل والتدبر وهنا أنا أخص مسألة الطقوس التي كانت تتم بها حالات الإعدام والتخلص من حياة السجناء والمغيبين وكيف أن السجين قبيل إعدامه يتم انتزاع اذرعه من مفاصلها بحيث لا يقوى على التصدي لمهاجميه ولك ان تتخيل تلك التراجيديا على نفسية هذا المواطن ومدى العجز الذي يلفه بالكامل ..
هذا السرد في تقديري يكفي تعويضا عما عجزنا في تخيله لمآلات التغييب ويصلح (هذا السرد) في أن ينقل الأيقونة من حالة السكون والاعتياد الى حالة الديناميكية والاتقاد في ذاكرتنا فإن أي تصور بالأذى وإنهاء الحياة هو بالضرورة فعل محفز على التضامن في الوجع وبالتالي هو أمر ذا كلفة ثقيلة تلزم المتصور المتضامن على الإيفاء في مواجهة الجاني..
هو الغضب إذن .. لا شيء غير الغضب فهناك فرق بين ان يقال لك ان أخاك قد قتل دون زيادة أو نقصان.. هكذا قتل وبين ان يسرد لك أحدهم طريقة قتله وكم استغرق من الوقت وهو يلفظ أنفاسه، كيف كانت حالته وهو ينازع بمحاولات يائسة ان يتخلص من سفاحيه، كيف كانت تعابير وجوههم وهم ينفذون جريمتهم.. بالتأكيد لا مقارنة لكمية الغضب.. نحن نملك أيقوناتنا التي تؤسس شرعية رفضنا لهذا النظام فقط ينقصنا المقدار الكافي من الغضب الذي يبعث الحيوية والاتقاد في هذه الأيقونات.. فالمطلوب هنا هو صناعة الغضب فينا من خلال توثيقنا وتكثيف المعلومة وعدم التعامل معها بالتهميش والتقليل فمعظم النشاط الثوري الذي نشهده هو نتيجة تضافر الجهود واستغلال عثرات وثغرات الأنظمة وتوظيف وسائل الاتصال والتواصل لصقل الإحساس بالظلم لدى إنسان البلد

شاهد أيضاً

رمضان يس

فورتو .. بين البطولة والخيانة !

مقالة تم نشرها في العدد الخامس لمجلة الناقوس الصادر بتاريخ 31/05/2019 . الاستاذ / رمضان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *