أخبار عاجلة

خيبات الصحافة العالمية في إرتريا

ترجمة وتعليق الأستاذ: أبوبكر جيلاني

هل صحيح الصحفيين الأجانب غلبهم الحصول على المعلومة الصحيحة من داخل إرتريا على طول الفترة الماضية منذ استقلال البلاد؟

كيف تغطى إرتريا إعلاميا؟ تحت هذا العنوان كتب مواطن إرتري يدعى أبرهام زرئي مقالا باللغة الإنجليزية عن التغطية الإعلامية غير الدقيقة والمشوشة المقدمة من قبل المراسلين الدوليين الذين يذهبون إلى إرتريا لأغراض صحفية ثم يعودون خاويي الوفاض أو بأخبار مفبركة تسرب من قبل أبواق النظام.

قرأتُ هذا المقال في موقع إليكتروني عنوانه ” إفريقيا دولة” بتاريخ 6/3/2017 م.
المعلومات في هذا المقال رأيتها مثيرة للاهتمام فترجمتها بتصرف كما يلي:

“التقارير الصحفية التي يخرج بها المراسلين الدوليين إلى العالم عن إرتريا أضحت لوحات إرشادية مكررة ومطبوعة سلفا تبدأ بالحديث عن جمال العاصمة أسمرا ونظافتها وأمنها وطيبة سكانها وصفوف أشجار النخيل الباسقة التي تزين شوارعها والطابع المعماري المستوحى من فن العمارة الإيطالية “أرت ديكو” الذي تتميز به أسمرا عن بقية العواصم الإفريقية، ويعرج التقرير الصحفي بالملاحظات عن تداخل العمارة العريقة بالمباني العصرية وملاحظات مشوشة عن المقاهي المزدحمة مع ذكر (وعلى استحياء) ما يسمع خارج البلاد من أخبار الهجرة الجماعية للشبان والأطفال، ثم يذكر المراسل ما رآه في زيارته من حطام الدبابات الضخم في موقع بالقرب من أسمرا وما سمعه عن حرب الاستقلال الدموية وما خلفته من دمار بالبلاد وينتهي التقرير النمطي بالحديث عن مقابلة مع مسؤول الشئون السياسة بالحزب الحاكم ووزير الإعلام ويختمه بعبارتهم المعهودة “البلاد في حالة طوارئ وعلى المجتمع الدولي أن يضغط على إثيوبيا لترسيم الحدود”.

طردتْ إرتريا كافة المراسلين الدوليين وحظرت الصحافة المحلية المستقلة منذ عام 2001 م، والنتيجة على وسائل الإعلام الغربية أن تلعب وتر فريدً ونادرً لدخول البلاد واستكشاف أحوال هذه الدولة التي استحقت بجدارة لقب “شمال كوريا الإفريقية”.

خلال العامين الماضيين كان على مراسلي وسائل الإعلام الغربية الرائدة مثل “بي بي سي”، “فرانس 24″، “وول استريت جورنال” و”نيو يورك تايمس” أن يتعاملوا مع المصاعب البيروقراطية والرفض بالمزيد من الصبر للحصول على التصاريح اللازمة لدخول البلاد. بعض الصحافيين المستقلين أيضا نالوا شرف اكتشاف إرتريا وتغطية بعض جوانبها المرئية.

للعديد منا الذين عشنا في إرتريا طويلاً نعلم إن هؤلاء الصحافيين لم يقدموا أكثر من قصصهم المثيرة. (الاستثناء كان تغطية صحيفة “زي نيو يوركر” في ديسمبر الماضي والتي كان لها السبق في نقل خبر الهروب الجماعي لفريق كرة القدم الإرتري).

قبل سياسة الانفتاح الأخيرة، أي في عهد المدعو علي عبده الذي عمل وزيرً للإعلام قبل أن يتوارى عن الأنظار ويظهر في أستراليا لاجئا، وكان يقوم بإذن من الرئيس بدعوة بعض وسائل الإعلام العالمية في احتفالات عيد الاستقلال في (مايو من كل عام) ليسلمهم وبشكل صارم صحفيين من وزارة الإعلام الإرترية لمرافقتهم أينما حلوا ولتنتهـِي زيارتهم الميمونة بمقابلة الرئيس، إلا أن الانفراج الجديد أدى ليقوم مسؤول الشئون السياسية بالحزب بتصدر المشهد ليعطي توجيهات مكثفة سلفا لكل الذين سيجيبون على أسئلة الصحفيين الأجانب بمن فيهم سائقي سيارات الأجرة ليبدو الأمر صدفة مع مواطنين بسطاء وإعداد مترجمين فوريين معينين من قبل الحزب جاهزين لترجمة أي حديث يدلي به المواطنين للصحفي الأجنبي.

دائما يرفض العديد من الإرتريين الحديث مع وسائل الإعلام الأجنبية وخاصة محطات التلفزة الأجنبية والسبب الإعلام الإرتري صنع حالة من الخوف والرهبة لدى العامة بتصوير أي غريب أو مغترب وخصوصا القادم من الغرب كعميل “لوكالة الاستخبارات الأمريكية” وأنه يسعى للإخلال بأمن البلاد. مثل هذه الروايات غـُرِست في أذهان عامة الناس باستمرار لذا أضحى أمرً معتادً في المدن الإرترية أن يـَمنع أي مواطن إرتري سائحا أو صحفيا أجنبيا من التصوير، هذا بجانب التحذير الآتي من الدوريات المرافقة للزوار الأجانب أن لا يتحدث أي مواطن مع أي أجنبي إلا في حضور المرافق وبعد إذن من الجهات الأمنية، مع وجود حاجز لغوي لدى العامة لأن اللغة الإنجليزية غير مستخدمة على نطاق واسع في البلاد خلافا لبقية بعض البلدان الإفريقية وإن هي لغة التدريس في المدارس المتوسطة والثانوية.

ليس خافيا على أحد الانتقام المحتمل من قبل النظام إذا تحدث أي إرتري منتقدً النظام سواء كان داخل البلاد أو خارجه، فالخيار الأسلم هو السكوت، لكن معظم المراسلين الأجانب تغيب عنهم هذه الخصوصية المنغلقة المفروضة على المواطن الإرتري، ناهيك مع صحفيين غرباء حتى بين العائلة الواحدة إذا كان أحد المتحدثين على الهاتف داخل البلاد والآخر خارجه من الصعوبة بمكان التحدث بالصراحة عن المتاعب التي تواجهها البلاد وسكانها بسبب سياسات النظام. دائما الرد الأسلم من الطرف الداخلي هو “كل شيء على ما يرام”.

ثقافة الخوف المتأصلة في الداخل امتدت حتى إلى الإرتريين المنفيين خارج البلاد. لذلك الأنشطة المعارضة التي حاول أن يقوم بها بعض النشطاء في المنفى أضحت قصص طويلة ومملة لا تنتهي ولم تـُحدث أي تغيير على الأرض وقد مضى على المحاولات زمناً طويلاً. حتى المنفيين حديثا دخلوا في حالة السبات الشتوي.

تكالب عوامل متنوعة أدت إلى حالة من تحريم الأنشطة السياسة مما قاد إلى أجواء خانقة للغاية لدرجة أي مداخلة أو بوست في وسيلة تواصل اجتماعي من شخص ما ناقدً أو متذمرً من سياسات النظام ترسل فورً إلى إدارة أمن الدولة في البلاد.

أي زائر للبلاد لفترة قصيرة من الصعب عليه إدراك مستوى الرقابة والخوف المسيطر على المواطنين. مثل هذا الغموض وعدم تعاون المواطنين للتحدث مع الصحفي الأجنبي بصراحة وأريحية أوقع العديد من الصحفيين في مطب إخراج تقارير صحفية غير دقيقة وغير معبرة عن الواقع. الصحفي القادم إلى البلاد يكتب فقط عما هو ظاهر على السطح وعما صرح به المسؤولين في وزارة الإعلام وليس عما هو كامن في صدور الرجال والنساء المسيطرة عليهم بطبقات من الخوف المزمن. مثلا منذ أكتوبر 2016 م صدرت تعليمات على مقاهي الإنترنيت الشحيحة والبطيئة العاملة في البلاد لتسجيل بيانات روادها (زبائنها) كاملة وإرسالها إلى الجهات الأمنية بشكل دوري مثل ما يحدث في الفنادق وللمسفارين عبر البلاد. لم يذكر كل هذا في تقارير الصحفيين الذين زاروا البلاد بعد تلك الفترة. هل هذا دليل على أن الصحفيين الأجانب غير ملمين بأبسط ما يحدث في البلاد وبالتعليمات الجائرة التي تستهدف خنق حرية المواطنين وتحركاتهم؟ المراسلين الأجانب لم يحصلوا على المعلومات الصحيحة وما يدور في البلاد حتى بعد زيارتهم لها، فمثلا منذ أكثر من عام ترك الرئيس الإرتري مهامه الرئاسي عمليا ونقل مكتبه من أسمرا ليعمل مديرً لمشروع إنشاء سد في قرية تدعى “عدي هلو” وهو موقع يبعد 120 كيلو مترً جنوبي أسمرا ليشرف بنفسه على المشروع وأحيانا يعمل مع العمال بنفسه وفي ذات الموقع يقابل ضيوف الدولة. مثال آخر على مزاجية وغرابة التعليمات العشوائية في البلاد وعدم معرفة الصحافيين الزائرين بها، إصدار الرئيس من موقعه الجديد أوامر بزيادة رواتب بعض الوزارات دون غيرها لتجد موظف حديث التخرج ببكالوريوس يقبض راتب يساوي ضعفيْ راتب من يحمل ماجستير في نفس التخصص في وزارة أخرى ويعمل منذ 10 سنوات. محليا فازت هذه الزيادات الاعتباطية بمسمى “زيادات عدي هلو”.

بالإضافة إلى الأسئلة المكررة من الصحفيين الأجانب والتي كان لها دائما إجابات جاهزة ومعلبة من قبل المسئولين منذ فترة طويلة، وهي أسئلة مثل: متى ستعتمد إرتريا الانتخابات الرئاسية والنيابية ومتى سيتم إقرار الدستور الخ، وعن مصير الصحافي الإرتري/السويدي داويت إسحاق.

ظهرت أيضا قضايا جديدة بدأ الجمهور الإرتري المنفي يثيرها باستمرار ولم يستفسر عنها الصحفيين الأجانب حتى الآن ولو من باب العلم بالشيء أهمها ما يتعلق بمصير إيرادات الطفرة التعدينية حيث لا يعلم أحدً حتى الآن أين تذهب الأموال الطائلة الخاصة بنصيب الحكومة من مبيعات الذهب والمعادن الأخرى، وكان يمني بعض الإرتريين أنفسهم برخاء موعود لبلادهم قد تجلبه هذه الثروة الوطنية اعتماد على كتابات بعض المحللين في هذا الشأن، أما الآن بدى واضحاً لعامة الإرتريين استحالة استفادة البلاد من هذه الثروة الوطنية وأن الحاكم ونفر في دائرته الضيقة وضعوا أيديهم عليها ولا أحد يعلم عنها شيئًا. حتى الآن لم يجرأ أحدً للحديث عن هذا الموضوع سواء محليا أو دوليا ما عدى تلفزيون سي بي سي الكندي (CBC) الذي تناول ذات مرة الموضوع من زاوية “عمال السخرة ” وهل الحكومة الإرترية تستخدم عمالة محلية مجانية بالسخرة لاستخراج الثروة المعدنية أم لا.
أما فيما يتعلق بالمؤسساتية في البلاد، دائما يبدوا على الصحفي الأجنبي ارتباك أو سوء فهم عمن هو الشخص الأكثر نفوذً ً بعد رأس النظام مباشرة فيمنحون الوزراء سلطة غير ممنوحة لهم أصلا. على سبيل المثال العام الماضي صرح وزير الشئون الخارجية الإرترية في مقابلة مع إذاعة “فرنسا الدولية” بأن كافة السجناء السياسيين والصحافيين المعتقلين منذ 2001 م أحياء وبصحة جيدة، وعلى إثر هذا التصريح طالبت منظمة العفو الدولية عبر بيانها الرسمي بإطلاق سراحهم. أي شخص لديه علم بسيط بالحالة الإرترية يعلم إن وزير الشئون الخارجية وأي وزير آخر يحمل منصب رمزي “ديكور” فقط ولا يعلم شيئاً عن مصير سجناء الضمير. وهذا ينطبق على وزيرة العدل. وزيرة العدل سئلت مؤخرً عن حملة التجنيد الجديدة والاعتقالات التعسفية الجديدة وسجون تحت الأرض التي لا يعلم أحدً عددها. اتضح إن وزارة العدل ليس لديها أي علم بما يجري من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وإنها عديمة الحيلة، لأن سلطة الجنرالات أقوى من سلطة أيّ وزير في النظام.

بالرغم عن الحقيقة المعروفة بأن معظم الشباب الإرتري مكدس في معسكرات الجيش وأن المدنيين أيضا مسلحين منذ عام 2012م، يستغرب المراسل الأجنبي عن تدني مستوى الجريمة والعنف في البلاد. بالطبع يعانق الإرتريين الحديد والنار منذ أجيال ولا يجرؤ أحد الاعتداء على الآخر بالقتل أو النهب في مجتمع صغير ومنغلق مثل المجتمع الإرتري.

أما سر المقاهي المزدحمة في العاصمة والتي كتب عنها بعض الصحفيين الأجانب مردها: معظم موظفي المكاتب الحكومية والوزارات ليس لديهم ما يحجزهم من الأعمال النظامية الكافية لليوم الكامل ومن الصعب الضغط عليهم للبقاء في المكاتب لفترة طويلة دون عمل. لذا موظفي الخدمة المدنية دائما يقضون معظم أوقاتهم في المقاهي لقتل وقت فراغهم ولتجاذب الحديث بالقيل والقال وأخبار كرة القدم. اقتصاد البلاد يعتمد على قنوات غير رسمية وغير قانونية كتهريب البضائع من دول الجوار والسوق الأسود لشراء العملة الصعبة عبر وكلاء (أو بالأحرى عملاء) غير قانونيين يستخدمون المقاهي كمراكز تجمُّع كما تفعل الأسر.

إن المستوى الذي وصلته الهجرة الجماعية وانشطار الكيان الأسري في إرتريا خلال العقد الماضي يعتبر فوق مستوى التخيل وما يرسله الأقارب من الخارج من دعم مالي لا يصلح للادخار بل فقط – “بانن شاهن” أي (الخبز الحاف مع الشاهي) في المقاهي. ”

سؤال من المترجم: (بعد قراءة هذا المقال هل ترى أخي القارئ إن هؤلاء الصحفيين مضللين أم متغاضـِين أو غير مبالين لكشف الحقيقة فيما يخص الوضع الإرتري؟)

شاهد أيضاً

احتفال الرابطة في ملبورن

علي جبيب شهدت مدينة ملبورن الاسترالية منذ يومين احتفال ابناء رابطة المنخفضات الارترية بمناسبة الذكرى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *