بقلم/ محمود أفندي

خبز تقراي يباع في شوارع اسمرا..!

انتهت حالة اللا حرب واللا سلام بين الجارتين ارتريا واثيوبيا قبل اشهر قليلة، وحدث ما حدث من غير المألوف بين دول الجوار في الاحوال الطبيعية من فوضى غير مسبوقة لا مثيل لها في تحركات الشعوب من وإلى بلدان تمتلك السيادة.
شهدت هذه الحدود التي كانت بالأمس القريب وعلى مدى اكثر من عقدين مسرحا يقُتلُ فيه نظام الهقدف الشيب والشباب بالرصاص للهاربين من ويلاته، وآخرين كانت تصطادهم ايدي عملائه فيكون مصيرهم السجون لسنوات يُحرم فيها حتى من مقابلة اهله وذويه، وقليلون ممن رحم ربي ونجوا بجلدهم سلموا انفسهم منهكين ينتابهم الشعور ما بين الفرحة من خلاصهم من العبودية والاضطهاد بعد عبورهم لحدود الوطن وما بين الحزن العميق لفقد وطن ضحى لهم فيه الاجداد والآباء والاخوان واعطوا فيه الشهيد تلو الشهيد وعلقوا عليه الآمال العريضة بعد تحريره ليعيشوا فيه برخاء وامان واستقرار، لكنهم خضعوا لحياة ّالاستسلام ليرفعوا ايديهم حائرين لقوات الحدود الاثيوبية وينتهي بهم المطاف في معسكرات اللجوء ومن ثم التفكير لمواصلة الطريق لبلاد الفرنج او الاستكانة بين المعسكرات دون رسم اي خطة للهدف الذي من اجله غادروا البلاد ،
اليوم وبعد كل هذه الآلام والجراحات بدلا من ان تتفتح بوابات الوطن نحو التقدم والعيش النبيل والأمن والاستقرار واشراك كافة المكونات في الحكم عبر انتخابات عادلة ونزيه وتبادل المصالح المشتركة مع كافة دول الجوار في اطار السلم الاجتماعي والاقتصادي والامن الاقليمي والدولي بعيدا عن تهميش المواطن واقصائه وحبك الفتن والمؤامرات على الصعيدين المحلي والاقليمي، ها هي تفتحت امامنا بوابة الحدود من جهة واحدة باتجاه الجنوب الإرتري دون قيود متعارف عليها وبشكل عشوائي مما جعل المشاهد والمتابع للوضع عن كثب بان ارتريا تُقدم نفسها لإثيوبيا في طبق من ذهب بعد ان خسرت الغالي والنفيس في سنوات الكفاح المسلح العجاف وحروبها الهمجية الاخيرة مع الجوار عامة واثيوبيا خاصة بعد استقلالها الذي راح هباء منثورا وكأن لسان حالها يقول انها تمشي الهوينا لجارتها .
فماذا ننتظر بعد ما تم بيع الخبز ولحلح الطاف وطوب الاسمنت وكل شيء عدا المعدوم عندهم يأتينا من الجارة ويباع مقابل منافس مصاب بعلة اقتصادية يعاني منها لسنوات طوال، يباع كل شيء نهارا جهارا في شوارع اسمرا و المدن الإرترية الاخرى، كما تمرح المركبات بكل المواد حتى بيض الدجاج. ليس هذا فحسب، بل للأسف الشديد تعود هذه المركبات محملة بالمواطنين الذين تتناولهم جماعة وفرادا من امام بيوتهم، وتنادي مقلي وعدي غرات في ظاهرة لم تشهدها مركبات البلاد التي كان الشعب يقف لها صفوفا طويلة قبل موعد الفجر وحتى منتصف الليل للوصول الى اقرب مكان من مدنهم وقراهم، واليوم مركبات اثيوبيا تأخذ الناس من الشوارع وتنادي بأعلى الاصوات مقلي وعدي غرات ويركب شعبنا هذه المركبات كأنهم ذاهبون الى مدينة او قرية محلية .
وعقب فتح الحدود ارتفع المعدل اليومي لطالبي اللجوء الإرتريين في اثيوبيا إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه، و ذلك نقلا عن مصادر المفوضية السامية لشئون اللاجئين هناك ، فقد ارتفع المعدل اليومي لطالبي اللجوء من ٥٠ الى ١٨٠ لاجئ عقب اعادة فتح المعبرين الحدوديين بين اثيوبيا واريتريا، فيما بلغ العدد الكلي لطالبي اللجوء الذين تم تسجيلهم في مركز انداباقونا في فترة ثمانية ايام في شهر سبتمبر الى ١٧٠٠ لاجئ، واضاف المصدر ان 80% من طالبي اللجوء الجدد هم من الأطفال والنساء. كما ان مفوضية اللاجئين الأممية ستقوم بالتعاون مع مكتب اللاجئين الاثيوبي والشركاء بتوسيع المراكز والمعسكرات لاستقبال التدفق المتزايد مع اللاجئين هذا لو بقى في الوطن بقيه..
صحيح ان اولئك يغادرون الوطن دون ان يدفعوا الآلاف من الدولارات التي كانت تدفع لعصابات التهريب قبل اشهر قليلة لكنهم لم يعلموا ما يخبئه لهم الهقدف وقائده خلف هذه الهجرة المنتظمة، لكن لم يدرك بعد مآلات ما سيصل اليه هذا الوطن وهم يفرون منه بعد ان وجدوا ثغرة واحدة في جدار سجن الوطن ليشدوا الرحيل دون عودة ومنهم من يعتقد انها فرصة ذهبية قد لا تتكرر وعليه الهروب من الوطن افضل من العيش فيه في ظل حكم مستبد انهك البلاد والعباد على حد سواء .
فإن حال الشعب في الداخل يأكل ولا يشبع يشتري ولا يبيع يسافر ولا يرجع يسجن ولا يخرج، يتفرع ولا يتوحد، ساكت ولا يتكلم، فإذا كان هذا حال الشعب الإرتري !! فماهي قراءات تنظيماته وفصائله المعارضة وقاداته المخضرمة لهذا الوضع ممن لهم باع كبير في عالم السياسة والنضال وما يحبك في دهاليز السياسة العالمية؟؟ ام هل نحن على موعد مع عصا موسى ام أن هنالك امر اخر ؟
لماذا هذا الصمت الرهيب والذهول النفسي والعقلي؟ لم لا نجد من يحرك ساكنا قولا او فعلا والبلاد في مهب الريح!!
ختاما انني اقرب الى التشاؤم من التفاؤل لان حال البلدين يسير نحو مصير مجهول، خاصة وان الرجلين لم يتمكنا من ادارة البلاد بالشكل الصحيح، حيث وقف أبي أحمد مع الاغلبية لسحق الاقلية ووقف افورقي مع الاقلية ليسحق الاغلبية وكلا الحالتين ليسا في المسار الصحيح في ادارة شؤون البلاد .
سُلم ابي احمد دولة مؤسسة بغض النظر عن الاخفاقات من قبل الحكومة التي سبقته لكنه يريد العبث بهذه الانجازات والرهان على الاغلبية وتهميش الاقلية. والآخر افورقي وجد دولة حديثة في مطلع التسعينيات وارادة شعبية متينة انذاك لكن بغبائه وعنصريته وطائفيته وعدم ادارته ومن معه لحكم الدولة خلال اكثر من عقدين بدأ يتخبط وجر البلاد في حروب بعد ما علم بعجزه وعجز من اعتمد عليهم في ادارة البلاد. لهذا بدأ يفكر في سياسة علي وعلى اعدائي بهدف اطالة امد حكمه مهما كلف من ثمن وذلك عبر تهميش مكونات الشعب الارتري التي ضحت بالغالي والنفيس من اجل الحرية والاستقلال .

 

بقلم/ محمود أفندي .

 

شاهد أيضاً

محمي: ELL

لا يوجد مختصر لأن هذه المقالة محمية بكلمة مرور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *