افتتاحيـــة الموقـــع

جدليــة التغييــر .. وانســداد أفــق النظــام الارتــري

المتابع لمجريات الاحداث في المنطقة يلحظ بوضوح مدى تعنت النظام الارتري في التمادي في نهجه الاقصائي والانفراد بنظام الحكم، بالرغم من موجات التغيير والتحول التي تجتاح دول الجوار والمنطقة عموما، لترسم لشعوبها ملامح فجر جديد تسوده قيم الحرية والعدالة والمساواة. وأيضاً بالرغم من التغيير الكبير الذي طال النظام المعرفي العالمي وما أحدثته ثورة المعلومات من تطور هائل في امتلاك المعلومة، و تنامي الوعي بالمصالح، وسيادة ثقافة حقوق الانسان لدى سكان المعمورة، بحيث أصبح  من المستحيل بمكان قيادتها بذات العقليات السابقة، التي ترتكز على القوة، ومشروعيات الحكم التي لفظها منطق العصر، أو قبول الانقياد من اصله ضد إرادتها الذاتية المتطلعة للحرية والانعتاق والمشاركة العادلة في السلطة والثروة.

ان ما نشهده من تحول كبير في دول العالم اجمع، وفي منطقتنا على وجه التحديد، هو نتيجة طبيعية لهذه الحقيقة، ابتداءا من اثيوبيا المتوثبة التي احدثت تغييرا هائلا بتبنيها للنظام الفيدرالي كنموذج فريد لادارة التنوع والتعدد، وتونس الثورة التي تمر بمخاض مستمر لتأصيل سيادة مصلحة الشعب كأساس لنظام الحكم الرشيد الذي يتطلعون إليه، وأخيرا الثورة الملهمة للشعب السوداني التي لفتت أنظار العالم اجمع بسلميتها وسرعة انجازها لعملية التحول، ووقوف جماهيرها لحماية منجزاتها، والجزائر بلد المليون شهيد ليست بعيدة عن ما تشهده المنطقة  بشارعها الهادر مطالبا بالتغيير.

ان ما حدث في الشأن السوداني من تغيير كبير، باسقاط نظام حكم ظل في السلطة لثلاثة عقود تحت ضغط ثورة شعبية سلمية خلال فترة ستة اشهر، جعل من السودان بلدا يقف على اعتاب عهد ديموقراطي جديد تسوده روح التسامح والتعامل الجاد مع القضايا الحقيقية التي يعاني منها من حروب وتنمية غير متوازنة، وذلك من خلال ماتشهده من تباشير مسارات التفاوض الواعدة بين الحكومة وفصائل المعارضة، بمعالجة  قضايا التهميش في مختلف مناطق السودان.

وأمام هذا التحول الإيجابي الكبير لا يسعنا إلا أن نحيي الشعبين الجارين في السودان واثيوبيا على هذا الانجاز ونتمنى لهم التوفيق في مساعيهم نحو الديموقراطية والعدالة والسلام بما يضمن استقرار البلدين، وانعكاس ذلك على ارتريا، التي يعتبر وضعها شاذاً في التغيرات الحاصلة في المنطقة والحراك الجاد في البحث عن الحلول المناسبة لشعوبها.

إن النظام الإرتري يظل النشاز الوحيد في المنطقة، ظناً منه بأنه سيظل محصناً أمام هذا المد الثوري والتحول الهائل الذي لايستطيع ان يصمد أمامه أحد، خاصة إن ذاكرة مكونات الشعب الإرتري صاحبة ملحمة ثورة سبتمبر المجيدة التي فجرتها جبهة التحرير الارترية وأطلق شرارتها القائد البطل حامد ادريس عواتي وزملائه من الرعيل الأول، واستغرقت ثلاثة عقود لتحقيق الاستقلال، مازالت حاضرة وخيال معاناتها مازال مثقلاً بالجروح التي لم تندمل بعد، إضافة لما منيت به من خيبة أمل كبيرة في تحقيق التقدم والازدهار والامن والكرامة والاستقرار، من جراء ممارسات نظام الهيمنة القومية والاقصاء البغيض الجاثم على صدر الشعب الارتري لقرابة الثلاثة عقود.

 وبجرد سريع لمعاناة هذا الشعب العظيم من جراء هيمنة هذا النظام على مفاصل السطة ومقدرات البلاد والعباد في مختلف المناحي  نلحظ، على سبيل المثال لا الحصر، الآتي :

      1- الاقتصاد:

أ) احتكار التجارة لصالح حزبه.

ب) منع منح رخص الاستيراد لغير الحزب وزبانيته.

ت) منع تشييد المباني من مساكن ومتاجر وغيرها.

ث) حجز الاموال من المواطنين ومنعهم من التصرف فيها.

2- حقوق الانسان:

أ) الاعتقالات التعسفية، والاخفاء القسري دون محاكمات عادلة، أو معرفة اماكن تواجدهم من قبل ذويهم.

ب) نظام الخدمة الوطنية الالزامية لأجل غير محدود، واستهلاك طاقات الشباب في اعمال سخرة دون مقابل.

ت) قتل من يحاول ان ينفذ بجلده عبر  الحدود، ومن نفد يتعرض لعمليات الاتجار بالبشر من دفع الرهن، ومن لم يتمكن يتعرض لبيعه كاملا او على شكل اعضاء، اوعرضة للموت في الصحاري والبحار،  ومن نجا من  هذا  مصيره العيش مهملاً في المنافي على اطراف المدن.

ث) ابتزاز المتواجدين في المهجر بفرض ضرائب عليهم دون وجه حق.

ج) استغلال المرأة الارترية  في مختلف المجالات من خدمة واغتصاب واهانة

3- التعليم:

أ) اغلاق الجامعة الوحيدة في البلد والاستعاضة عنها بكليات محدودة ومتناثرة، خوفا من تحرك الطلاب.

ب) التاثير في التحصيل العلمي جراء هروب الطلاب من التجنيد الاجباري، بالتالي فقدانهم لاكمال تعليمهم.

4-  العدالة:

أ) هيمنة قومية في ظل نظام  دكتاتوري، في غياب تام لمؤسسات الحكم ( برلمان، مجلس وزراء  مجرد من صلاحياته، عدم إجراء أي انتخابات على كل المستويات،  عدم وجود دستور يحتكم اليه…. الخ)

ب) التغيير الديموغرافي والاستيطان .

ت) مصادرة الاراضي.

ج) منع عودة اللاجئيين الى قراهم واستفزاز مشاعر من عاد منهم لاجباره للجوء مرة اخرى.

5-  العلاقات الخارجية:

أ) الدخول في حروب مع جميع دول الجوار( اليمن، السودان، جيبوتي، وأخيرا اثيوبيا)

ب) العزلة التامة في التعامل الايجابي مع دول العالم بما يخدم مصلحة الشعب الارتري

ج) سوء العلاقات مع المنظمات الدولية

6- الحريات:

أ)  غياب حرية تكوين الاحزاب السياسية.

ب) غياب  حرية الصحافة.

ت) منع حرية السفر والتنقل

ث) الحجر على حرية  الدين

ان قضية نظام الحكم في ارتريا شبيهة، من حيث الهيمنة القومية، بنظام هيلي سلاسي الذي كان يتربع على رأس السلطة الحصرية لقومية الأمهرا، إلا أن ذلك العهد قد تغيير بفعل نضالات الشعوب الإثيوبية إلى العهد الفيدرالي، الذي وجد كل مكون نفسه فيها على الاقل من حيث الدستور. ولم تستكن الشعوب الاثيوبية لما تحقق بل ثارت مرة اخرى ضد سيطرة احد مكونات التحالف الحاكم مما ادى الى اطلاق سراح السجناء، وحرية الصحافة، والسماح للمعارضة بالعودة ولعب دورها من الداخل، ولا زالت اثيوبيا في مخاض ما بين الحفاظ على النظام الفيدارالي مع الاصلاحات اللازمة، او التراجع عنه، وفي الحالتين يعتبر الشعب الاثيوبي في حراك مستمر يمنحه الديناميكية والحيوية اللازمة للحفاظ على مصالحه.

وعليه، فان القضية في ارتريا لا تختلف عما كان سائدا في اثيوبيا والسودان من حيث تعدد مكوناته ومعاناته من هيمنة قومية مماثلة، لذا فإن حلها لايتم الا باثارتها على حقيقتها وايجاد حل يناسب طبيعتها. ان مشكلة ارتريا لا تقتصر على الدكتاتورية فقط، وبالتالي فان التحول الى الديموقراطية، على الرغم من اهميته، فانه غير كاف لوحده لتحقيق العدالة وازالة الهيمنة القومية، حيث لابد من الاقرار بواقع التعدد واعتماد نظام حكم لامركزي دستوري (فيدرالي) يتيح للجميع التمتع بحكم ذاتهم في الاطار المحلي وتقاسم عادل للسلطة والثروة على مستوى الوطن (المستوى الفيدرالي) كل حسب حجمه، كحل أمثل لازالة الهيمنة القومية. وإلا فإن الوضع سيكون مرشحا لحدوث حالة من الانزلاق الغير محمود للبلاد، مايجعل الباب مفتوحا على مصراعية أمام مكونات الشعب الإرتري  للبحث عن خياراتها الخاصة لتحقيق خلاصها وحريتها الذاتية، خاصة أمام تعنت مماثل في معسكر قوى المعارضة الارترية، وبشكل اخص الحاضنة الإجتماعية لنظام الهيمنة التي تسعى لاحداث تغييرات سطحية تبقي على ماتحقق من مصالح لقوميتهم على حساب مصالح بقية المكونات، بدلا من ايجاد حلول جذرية لأزمة الصراع.

هيئة التحرير

شاهد أيضاً

تقرير اليوم الثالث والأخير من منتدى المنظمات المدنية والحقوقية الأفريقية – شرم الشيخ -٢٢ ابريل ٢٠١٩م

متابعة لجلسات الأمس ابتدأ المنتدى فعاليات اليوم بالجلسة السادسة تحت عنوان: حماية المدافعين عن حقوق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *