Web Analytics Made Easy - StatCounter

المعضلات الارترية المزمنة

الكاتب الاستاذ أبوبكر جيلاني

معضلات إرتريا مزمنة لن يحلها غياب أفورقي بل ستحل عندما تتفق الأطراف المستضعفة وتتحرك من سكونها ومن نضالاتها  الإسفيرية إلى ما هو أكثر فعالية.

ما هي المعضلة ؟ المعضلة هي الخلل المزمن الذي يستعصى على الحل عبر الأجيال، والذي لا بد من إزالته ولو بعد الحين إما بإصلاحه أو بالتنازل عن الهدف المقصود تحقيقه من إصلاحه. وحتى وجود أحد الحلين يظل الخلل معضلة مزمنة. 

العديد من الأخوة الإرتريين يتحسسون من عناوين يعتبرونها جلد الذات ومحبط المعنويات كعنوان هذا المقال مثلا . كلا. الأمر ليس كذلك. هي محاولة أخرى لوضع الأصبع على الجرح الذي قد يستنهض المجروح .لا بد من تكرار الأسماء بمسمياتها الحقيقية بكل صراحة وقد تأكد لنا استحالة إيجاد وطن نعيش فيه بالعاطفة الجياشة الجرداء فقط دون فعل شيء ملموس يضمن لنا شبراً في الوطن.

مسلمي إرتريا دعاة سلام ووحدة وطنية ووئام منذ القدم ولكن دون شريك نزيه أو جاهل برغبات شركاؤه إذا أحسنّ الظن ، ودون عمل من الطرف المسلم ينقل هذه الرغبات  إلى أكبر عدد من الطرف الثاني بشكل موحد، سيظل هذا الأمر أحد أسباب عدم تماسكهم الداخلي، والموضوع يطول في هذا الجانب..

بعد فشل المحاولة الأولى لأفورقي  بعد رشحه شيء من نواياه المبيتة تجاه سيادة دولة إرتريا أمام رئيس الوزراء الأثيوبي وقوله لن نخسر شيء – وتنديد العديد من ( المسيحيين الوطنيين  والمسلمين على حد سواء ) بذلك التصريح، يبدوا ليي ، أوعز إلى زبانيته القوميين في الخارج لزيادة معدلات جرعة  الكراهية والمهاترات الطائفية والدينية علنا ليبدو الأمر وكأن في إرتريا صراعا طائفيا مستحكما ومزمنا يستحيل معه التعايش السلمي .لذلك رأينا زيادة في وتيرة خطاب الكراهية منذ اجتماع أبي أحمد  وأفورقي  ومستوى ورد فقل الإرتريين الوطنيين .

هذه إرهاصات خطيرة إن لم يتداركها الوطنين برص وحدة الصف الوطني. هذه المرة الأمر يستدعي أكثر من كتابات على التواصل الاجتماعي. على المكونين المسيحي والمسلم التأكيد بإجماع بأن استنهاض النزاع الطائفي المنظم ( بمسميات كيانات طائفية وبرنامج طائفي معلن مرفوض رفضا قاطعا) وأن كلام أي فرد يمثل نفسه وليس طائفته أو قبيلته – وأن تحركات التجمعات الطائفية والكراهية العلنية المقصود منها الإثارة والاستفزاز للطرف الآخر مرفوضة والتأكيد بأن المقصود منها في النهاية النيل من سيادة واستقلال إرتريا لحساب أثيوبيا .   

الغريب في الأمر تبع هذه الهجمة الشرسة المليئة بخطابات الكراهية تلك الاسطوانة المشروخة دائما بأن أفورقي مريض وفي حالة خطرة من المرض ،  وأنه قد يتوفى أو ربما توفى الخ … ، مثل هذا الخبر ظل يشَل تفكير الجميع منذ سنوات وكأنه قربان قادم من السماء. هذه المكيدة تكررت عدة مرات خلال السنوات الماضية، وكلما يريد أفورقي أن يقْـدم على شيء كان يطلق دعاية بمرضه ، وهي حرب نفسية خبيثة كان يقوم بها من حين لآخر لإلهاء الناس لمعرفته بأن أغلب الناس تريد أن ترى التغيير عاجلا غير آجل. ولذلك ربما كان يريد أن ينفذ برنامجه الذي جند حياته من أجله وهو إعادة إرتريا إلى إثيوبيا غصبا عن إرادة الشعب الإرتري، بالتوازي مع إطلاق أتباعه المخفيين والعلنيين تلك المهاترات الطائفية البغيضة من طرف واحد وهو نفس الأسلوب الذي أورد الشعب الإرتري المهالك قديما وحرمه من الاستقلال المبكر.  

ابتلي شعب إرتريا بالعديد من المعضلات المزمنة منذ الحرب العالمية الثانية ، وإن تغيرت مصادر المعضلات مع تقدم الزمن إلا أنه جوهرها ظل قائما إلى هذه اللحظة لأن الأطراف المعنية بتنفيذها واصلت إجراءاتها والأطراف المعنية بإصلاحها وهم (الوطنيين ) أخفقوا في إصلاحها إلى الآن.  

علينا الإقرار بوجود تباعد ثقافي مزمن بين المكونين الرئيسيين في إرتريا  قارئي ( التجرنية والعربية ) وهذا يمكن تسميته اصطلاحا  chronic cultural distancing على الأقل في المادة المكتوبة التي يتناولها المثقفين، ولكن في السنوات الأخيرة برزت فرصة  التقارب عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليعبر الكل عن  رأيه ، غير أن عامة الناس من المكونين لا يرون إن هذا المتحدث أو ذاك يمثل نفسه بل يرون  جزافا أنه يمثل طائفته ، وهذا خطأ. 

لكن إذا كان المتحدث يمثل كيان قائم ( أجعازيان مثلا أو تقراي تقرنيا – أكسوم أدوليس الخ ) وينشر خطاب الكراهية تحت مظلة هذا الكيان ويتوعد الطرف الآخر، هذا يمثل خطرً على الوطن وليس على المكون المستهدف فقط، و لا بد من مقاومته بعمل موحد من المكونين حتى لا تستفحل وتتحول التعبئة إلى فعل جنائي منظم كما حدث في الأربعينات من القرن الماضي. ولذلك الالتماس ( العريضة ) الإسفيرية  التي تمت ضد المدعو تسفاطيون مؤخر كانت على الطريق الصحيح لأن أعدادً من المكون المسيحي وقع فيها بجانب المسلمين ، والأمل معقود ليستمر مثل هذا الحراك لقطع الطريق أمام أي خطاب للكراهية من تنظيمات أو مجموعات شعبوية.

خلال الثلاثين عاما الماضية ومنذ استقلال إرتريا وفرار معظم المثقفين من البلاد خوفا من بطش السفّاح كم منا قرأ ما ينتجه كتاب التجرنية للوقوف على رؤيتهم عن بلادهم وعن الأطراف الأخرى في البلاد، وكم منهم قرأ ما يكتبه كتاب اللغة العربية … وكم من منتجات كتاب التجرنية تم ترجمتها إلى العربية وبالعكس، هذا مع قلة المثقفين والكتاب في كلا الطرفين إجمالا، لا شي يذكر، لذلك نجد هذه المعضلة المزمنة تتجسد في عدم الاتفاق السياسي وعدم رص الصف الوطني، ونرى تشظي مزمن بعد كل اجتماع يستهدف العمل الموحد بين كلا المكونين، لأن الرؤية والهدف غير متوحدان، وخصوصا بين (المسلمين) لأنهم لم يتفقوا بعد كيف يجب أن يتعاملوا مع شركاؤهم المسيحيين. 

والنتيجة حرموا أكثرية ناطقي التجرنية من معرفة ثقافة شركاؤهم في الوطن وثقافة قبول الآخر وثقافة الوطن الذي يسع الجميع، إلى أن خرج علينا منهم من ينعت المسلمين بالدخلاء والقتلة والقمل، وقد تأكد للجميع بأن هؤلاء ينتمون إلى جماعات وكيانات قائمة ، ولا يمثلون أنفسهم فقط بأحاديثهم المشينة تلك.   

كما أسلفت المسلمين الإرتريين لا يعتبرون الطرف الآخر غريبا أو دخيلا بل شريكا أصيلا في الوطن لكن كل منهم يرقص على وتره الخاص منذ 30 عاما دون أن يحرك ساكنا إلى كلمة سواء تمهيد لمحاورة الطرف الآخر بطريقة إستراتيجية. 

أرى إن إخفاء الحقيقة الواضحة منذ البداية أو الخجل منها بأننا مسلمين ومسيحيين ننتمي إلى ثقافتين وجغرافيتين وتاريخين ، على خطى أباؤنا أوصلتنا إلى هذه الحقيقة. كل ما يطالب به العديد من المثقفين المسلمين نظريا هو لا مركزية في الحكم وأن يحكم كل طرف منطقته تحت مظلة الوطن الواحد كي لا يتغول الواحد على الآخر دون نفي الطرف الآخر.هل وصلت هذه الفكرة إلى أكبر عدد من الطرف الثاني؟ هل سيتحقق ذلك دون المزيد من التلاحم ودون المزيد من الفعل الموحد….. أرجوا ذلك.

نتحول إلى عنوان المقالة والمعضلات الإرترية المزمنة ؟ التي أرى إنها لا تزول بزوال أفورقي أو غيره بل تزول بتوازن القوى بين المكونات الإرترية.

هذه المعضلات المزمنة وجدتها على شكل ثنائيات.وسأتحدث عن كل ثنائية على حدا. 

 وهي معضلات داخلية وأخرى خارجية ( وإن تأثرا وارتبطا بعضها ببعض)

المعضلات الخارجية المزمنة هن  (أثيوبيا ومعها أمريكا) إن وجدا الأرضية الصالحة في إرتريا.

المعضلات الداخلية المزمنة – بالتسلسل الزمني 

1- الاستقلال مقابل حزب الوحدة (أندنت)- الزمن الأربعينيات – فترة تقرير المصير- انتهت بكارثة الفيدرالية….. 

2- رفض اللغة العربية في التعليم – رؤية اسحق تولدي مدهن – مقابل مطالب المسلمين باللغة العربية – مؤتمر القاهرة 1946 م – انتهت بقرار من أول برلمان إرتري باعتماد الثنائية في اللغة إلا أنها أطلت برأسها من جديد بعد الاستقلال – لذلك تعتبر معضلة مزمنة. 

3- رفض أعضاء حزب أندنت اللغة العربية في أول برلمان ارتري – وقرر المسلمين الإرتريين  التمسك بها – أقر البرلمان ثنائية اللغة بإيعاز من هيلي سيلاسي لتهدئة الوضع إلا أن الجبهة الشعبية الحاكمة في ارتريا منذ الاستقلال ألغت الثنائية لذلك تعتبر معضلة مزمنة.

4- ضم إرتريا قسرً إلى أثيوبيا بتعاون وإصرار من أعضاء حزب أندنت وتواطؤ أمريكا- أعقب هذا الفعل رفض بعض أعضاء البرلمان وخروج بعضهم من البلاد ( إبراهيم سلطان وإدريس محمد آدم). انتهت هذه المعضلة باستقلال البلاد إلا أن المعضلة أطلت برأسها من جديد بعد تصريحات أفورقي الغامضة أمام رئيس وراء أثيوبيا مؤخرا . معضلة مزمنة.

5- وجود دول داعمة لموقف حزب أندنت  القديم ) أثيوبيا ) مقابل انتفاء دعم دولي للوطنيين في فترة تقرير المصير- المعضلة قائمة جراء نوايا إثيوبيا أو بعض هياكلها تجاه استقلال إرتريا وعدم وجود مناصر دولي حقيقي لحقوق المستضعفين .معضلة مزمنة.

6- فرض اللغة الأمهرية كلغة تعليم  بعد إلغاء النظام الفيدرالي وموافقة  بقايا حزب أندنت القديم على ذلك فورً –  أعقب ذلك ترك معظم الطلاب المسلمين المدارس أو ذهابهم إلى السودان لمواصلة التعليم أو الالتحاق بالمعاهد الإسلامية المحلية التي تعتمد اللغة العربية لغة تعليم. فرض نظام هقدف اللهجات المحلية المنطوقة لغات للتعليم هربا من الثنائية اللغوية المعتمدة من قبل أول برلمان ارتري ( العربية و التجرنية ) –  المعضلة قائمة .

7- انطلاق الشرارة الأولى للثورة الإرترية في المنخفضات الإرترية – أعقبها هيلي سيلاسي ملك أثيوبيا حينها  بتأسيس قوات الكوماندوس (مواطنين إرتريين من المرتفعات الإرترية ) بتدريب إسرائيلي وتسليح وتمويل أمريكي. أحرقت هذه القوات 300 قرية تعود للمسلمين الإرتريين وقتلت وشردت الآلاف إلى السودان – ذراريهم موجودة حتى الآن في معسكرات اللجوء بشرق السودان منذ 1967 م . ولم يقبل النظام عودتهم بعد الاستقلال – معضلة مزمنة. وهذه خصوصا تنم عن معضلة ثقافية – لغوية – ديموغرافية منسية – 

انتهت معضلة الكوماندوس بعد انتهاء عهد الإمبراطور الإثيوبي ولكنها انتقلت إلى الثورة الارترية بعد 15 عاما من تأسيسها – وبعد الإطاحة بنظام هيلي سيلاسي في أثيوبيا. 

9- محاولة إصلاح الثورة الإرترية من الداخل لتصويب أهدافها – قوبلت بظهور سلفي ناطنت المنشق بفعل فاعل محلي وخارجي ساهم بجدارة في الانشقاقات التي تلت والمستمرة حتى الآن. منذ 1970 م مستغلا التباينات الثقافية واللغوية والتاريخية للسكان وحصول تلك الفئة دعم خارجي. وكذلك مستغلا الوعي السياسي والثقافي الضحل لمعظم السكان حينها.  معضلة مزمنة.

10 – محاولات عديدة من فصائل الثورة للوحدة الوطنية أثناء حرب التحرير – لم تتجاوب معها الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا المهيمن عليها سريا حزب الشعب السري بأجنداته الداخلية والخارجية تحول في النهاية إلى دكتاتورية فردية مطلقة. معضلة مزمنة

11 – مطالب الشعب الارتري بنظام دستوري تعددي توافقي منفتح على العالم – قوبل بنظام شمولي قمعي منغلق ومعزول بعد تقليم أظافر الجبهة الشعبية الإرترية التي أنجزت الاستقلال وجعل منسوبيها تلقائيا شركاء في الجرائم المستمرة بحق الشعب الإرتري – معضلة مستمرة.

هذه بعضا من المعضلات الإرترية المزمنة وقد تكرر ذكرها بطريقة أو بأخرى وبصيغ مختلفة بالعديد من الكتاب الإرتريين. وكل معضلة إذا بحثت بالتفصيل قد يتألف منها يوما كتاب قائم بذاته . وإذا بحثنا مصدر كل معضلة وما نتج عنها سنعلم لماذا بقيت مزمنة حتى اليوم الأمر الذي أفرز مأساة حقيقية للإرتريين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حتى بعد استقلال بلادهم عن أثيوبيا. 

ومع وجود مصادر المعضلات الداخلية المزمنة بمسميات جديدة مثل أجأزيان-  وتقراي-  تقرنيا وأكسوم – أدوليس تنادي بسيادة أحادية الجانب على إرتريا ( أو ضم إرتريا إلى إثيوبيا من جديد) معتبرة المكونات والمجموعات المسلمة ضيوفا على البلاد، الأمر سيغري لا محالة لمحاولة تدخل خارجي مرة أخرى، (المعضلات الخارجية) مع عدم فعالية القوى الوطنية الإرترية أو بالأحرى إعاقتها ونتف أجنحتها منذ استقلال البلاد، ومع وجود تصريحات سافرة من أفورقي بشأن حرب الاستقلال وإدعائه بأنه لم يخسر شيء وتقاربه المريب مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد وتجاهله في هذا الشأن حتى للشعوبيين الذين أعانوه في تدمير البلاد، ومع همس بعض المكونات الحزبية والقومية الأثيوبية غير الرسمية بعدم الاعتراف بسيادة إرتريا ولو بطرف خفي، ستظل الدولة الإرترية وسيادتها في خطر. 

أقول في النهاية – أفيقوا أيها الإرتريين الوطنيين– ( مسلمين ومسيحيين ). وقديما قيل إرتريا كالطائر الذي لا  يطير إلا بجناحين سليمين.      

أبوبكر جيلاني

 

شاهد أيضاً

ليلة سبتمبر الواعدة …أمسية من اجمل الأمسيات

  سبتمبر المجيد ليلة سبتمبر الواعدة أمسية من اجمل الأمسيات تلاقحت عبقرية المكان( استوكهولم ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *