الإقليمية والنهج الديمقراطي يلتقيان ولا يختلفان

  الاستاذ / الحسين علي كرار

في ندوة جبهة الإنقاذ في روتردام والتي تحدث فيها الأستاذ عمر محمد أحمد ، حول المرحلة الحالية والتي نشرت في المواقع، ما يلفت النظر عدة ملاحظات:-

أولا:- العنوان (الاستقطابات الإقليمية والنهج الديمقراطي لا يلتقيان) نقول لا يمكن أن يكون نهج ديمقراطي إلا في ظل دولة مستقرة ولا يكون النهج الديمقراطي في دولة مبعثرة ، وتكون هذه الدولة قد رست على شيء بعد الاستقطابات الإقليمية ، هذا ما يحدثنا به التاريخ ، فكل الديمقراطيات في العالم الغربي بنيت بعد الإستقطابات الإقليمية وحروب داخلية ، وبعد التراضي على بناء شكل الدولة ونظامها السياسي ، لأن مصالح مجتمع الدولة مختلف (إثنية دينية ثقافية اقتصادية اجتماعية الخ..)، وتثبّت هذه المصالح وهي حقوق في دستور الدولة ، فالدولة تكون مركزية أو فيدرالية حسب الوفاق الوطني ، فإذا لم يكن وفاق وطني بالتأكيد الأقاليم ستبحث حماية خصوصيتها ، وتسود التشرذمات وهذا ما هو سائد في كثير من دول العالم الثالث الذي تهيمن عليه فئات تخدم مصالحها ويسود ها الاضطراب والاقتتال ، ونشاهد دول تتحول إلى فيدراليات من الداخل لحل مشاكل الأقاليم كما هو في السودان وأثيوبيا ، وقد تأسست الدول القوية على أسس الفيدرالية (حماية لمصالح الأقاليم) منها على سبيل المثال ، الولايات المتحدة وبريطانيا ، وما شاهدناه في استفتاء اسكتلندا وهي إقليم لم يكن مخالفا للنهج الديمقراطي، اللهم إلا إذا كان النهج الذي يقصده الأستاذ نهج أخر ، فالمطالب الإقليمية هي التي تحافظ علي مصلحة المواطن والدولة ووحدتها وتضع الأسس الصحيحة للمجتمع للعيش المشترك ويسودها النهج الديمقراطي، فالمطالب الإقليمية تقوّم انحراف قيادات المركز في الدولة وتقلص مركزيتها في القرار، وخاصة في ظروف سيادة الظلم وقانون الغاب واختلاف الثقافات ، كما هو حاصل في أرتريا ، أما رفع شعارات خاوية بلا مضمون فلا يستفيد منها أحد.
وما كان تقصده الندوة والأستاذ/ عمر محمد أحمد هو رابطة أبناء المنخفضات ولكنهم لم يفصحوا بذلك ، ولكن يجب أن يتذكروا هم (الإنقاذ) في مؤتمر أواسا كانوا من تحالف مع كيانات قالوا عنها قومية وهي في واقعها قبلية ليرجحوا بها كفتهم في الانتخابات ، وتنظيم جبهة الإنقاذ هو مثله مثل بقية التنظيمات بعد الانهيارات أصبح تكتل قبلي مناطقي ولا يحتاج ذلك لشرح ، وحتى الآن لم يخرج من غرفة النقاهة التي أصابته بها الطائفية بين الطائفتين في الإقليم ، لو جاء مثل هذا الكلام من الأستاذ /إبراهيم محمد علي، على الأقل لكان معقولا ، لأن الشخص كان رئيس الحزب وهو بعيد نوعا ما عن تفاعلات المعارضة ، فيجب ألا يوزع أهل الإنقاذ الوطنية على مقاساتهم ويخونوا الآخرين ، والأغرب أن يقول الأستاذ /عمر (بصفة أساسية متابعة وكشف وتعرية تنامي الإستقطابات الإقليمية في صفوف المعارضة ، ثم يقول أصبحت هذه الظاهرة عقبة أمام وحدة القوى الوطنية الديمقراطية) سبحان الله أين نظام اسياس وسجونه من العقبة المانعة لوحدة القوى الوطنية الديمقراطية؟.

ثانيا:- يقول الأستاذ / عمر (يجب أن ننطلق من الإيمان بأن النظام الدكتاتوري لا يمثل إقليما محددا أو طائفة معينة) ، وهو بيت القصيد من المقال ، وهي رسالة إلى من يهمهم ذلك الأمر ، فإذا كان هذا موقفهم فهم أحرار، ولكن النظام طائفي وإقليمي بشهادة أهله وهم مقرون بأن النظام نظامهم والفشل فشلهم، وسوف لا تفيد شهادة البراءة التي يقدمها الإنقاذ كاكتشاف جديد ينقذ بها النظام من تهمة الطائفية والإقليمية ، فدعوة تأهيلهم النظام من الطائفية والإقليمية مجروحة من أهلها.


ثالثا:- يقول الأستاذ/ عمر (نزوع البعض إلى إثارة التناقضات الثانوية وتبني إستقطابات سياسية على أسس إقليمية) وذكر أكثر من مرة ، نقر بالتناقضات الثانوية ، فإذا كان يقر بأن هذه التناقضات ثانوية فيجب ألا يختلف مع النظام في تناقض ثانوي لا أساس له ويجب أن يتجاوزه وينخرط في النظام ، أما غيره ممن يصفهم بالإقليميين والقبليين يرون هذه التناقضات جوهرية، أساسا وابتداء من نظام الحكم والإدارة والاقتصاد وإنفراد طائفة معينة بمقدرات الدولة واحتكارها للسلطة ورفض الأخر وهيمنة ثقافة وطرد ثقافة واغتصاب أرض وطرد مالك، وبناء كنائس ورفض مساجد وسجون وقتل وتشريد وغيره الكثير من الإقصاء الكامل ، فإذا كان لا يزعجه هذا كله ويعتبر الاختلاف حوله ثانوي ، وأزعجته الرابطة التي تطالب بتلك الحقوق ويعتبرها إقليمية ، فإن تنظيره سيطول به الزمن ، لأن الحوار الوطني لم يكن مقطوعا وسوف لا يكون مقطوعا ، ولكنه من أجل بناء الدولة الحديثة لم يجد أذن صاغية لا من النظام ولا من معارضة التجرنية ، ويعرف ذلك هو أكثر من غيره ، فعلى من يزايد وعلى من تزايد الإنقاذ؟.

رابعا:- من هي القوى الوطنية الديمقراطية والتي يطالبها أن تؤهل نفسها ، ويقول (المدخل الصحيح لعملية التأهيل القراءة الموضوعية للواقع الراهن) بعد كل هذه السنين والتجارب إذا كان من سماهم القوى الوطنية تحتاج لقراءة جديدة لتؤهل نفسها لمواجهة تزييف الوعي السياسي والفكري كما يقول ، فهذه مصيبة ، لأن الواقع الراهن هو نفسه الواقع الماضي في تركيبة المجتمع ، أما إذا كانت هذه الدعوة للثورة الجديدة ، بسبب ظهور رابطة أبناء المنخفضات ، فليعتبرها الأستاذ والإنقاذ ، مثلها مثل بقية القوميات التي أسسها أفورقي عام 1976م والتي لم ينزعج منها وتحالف معها ، ولم تصاب الإنقاذ منها بهذه الهستيريا ، أما إذا كان الانزعاج قاصر على الرابطة وهي التي يصنفها بالإقليمية والقبلية ، فهذا شيء يخصه ، ولكنه ليس الحريص هو وتنظيمه على أرتريا أكثر من غيره.

خامسا:- المناضلين القدماء في لندن أعطوا في شبابهم ولا أحد ينكر لهم الماضي ، ولكن زجهم لتضخيم الصورة لا يأتي بنتيجة ، وهذا الخطاب لا يتقبله جيل اليوم المصاب بحساسية مفرطة من كلمات – قسقاسي – عوت نحفاش– حادي لبي حادي هزبي- لأنها أفقدته الأمل وقذفته في أعماق البحار، وعبادة الماضي أشبعته منه فضائية النظام ، ولا يعرف القوى الوطنية والديمقراطية السابقة ونقاءها وصفاءها الذي تتحدثون عنه ، وكل ما يعرفه هو أن كوبا الاشتراكية المقاومة للإمبريالية التي كان يسمع ويقرأ عنها وفي حياة كاسترو المقاوم ، دخلت اليوم في محفظة البورصة الأمريكية.
فلهذا خاطبوا الشباب كتنظيم وسياسيين بلغتهم ، وليس بلغتكم التي تجاوزها الزمن، كان آباؤنا يكتبون على لوح الخشب وبقلم القصب ، ويملي عليهم الشيخ من الكتاب ، ولكن كان حظنا أفضل حيث كتبنا على الورق وبقلم الحبر وكتب لنا الأستاذ على الصبورة ، وأبناءنا اليوم حظهم أفضل يكتبون على الكمبيوتر دون شرح متعب من المعلم ، ويتواصلون بالفيس بوك ، ويشاهدون بعضهم بالواتساب من مشارق الأرض ومغاربها ، فهل يقبلوا لكم اليوم أن تفرضوا عليهم ماضيكم ورفع الشعارات التي ذهب عهدها، أليس طرح القوى التقدمية والوطنية على الأوراق بشيء عجيب؟ الشعب الارتري يريد بناء دولة صحيحة ترضي الأقاليم والمكون الاجتماعي معا ، بعيدا عن انتهازية مصالح الفصائل وانتهازية السياسيين ، فشخّصوا ماذا يريد الشعب بنقاش جاد ، وما هي مطالبه في تكوين الدولة الجديدة ووضع الدستور؟ بعد ما أصيب من النظام بالكوارث بعيدا عن الأنانيات السياسية والتخوين والمهاترات التي لا تجدي، لأن الدولة حتى الآن تعيش بعقلية عهد الثورة قبل التحرير، والجميع يريد بنائها على أسس سليمة وتضمن الحقوق للجميع.

سادسا:- يقول الأستاذ /محمد رمضان وهو من الكاتب المرموقين ، (لا مكان ولا مساهمة في ساحة الوطن لمن يرفع شعار القبلية والإقليم في أرتريا) بهذا المنطق ما هو الفرق بين هذا الطرح وما يمارسه اسياس بتخوين الآخرين ، وتنزيه النفس ورفعها لمصطفاّت الطاهرين ، ومن الذي يوزع شهادة الطهارة للمطهّرين ، ولا يمكن أن يعطي شخص لنفسه كأس الطهارة والفوز إلا إذا كان يحمل عقلية النظام ، و هناك قبائل تحمل شعارات باسم القوميات التي وضعها النظام ، ماذا سيفعل بها ، هناك قومية الساهو وهي لقبيلة الساهو وهناك قومية أساورتا لقبيلة أساورتا وهناك قومية النارا لقبيلة النارا وهناك قومية البلين لقبيلة البلين وهناك قومية حزب النهضة لقبيلة الجبرتا وهناك قومية العفر لقبيلة العفر وهناك قومية الكنامة لقبيلة الكنامة وهناك رابطة المنخفضات لأبناء المنخفضات إقليمية، وهناك قومية التجرينية لأبناء التجرنة إقليمية ، كلها تستقطب أناسها لتطالب بحقوقها وترفع شعاراتها ، وكل هؤلاء مشاركون في المجلس الوطني باسم القوميات وهي قبائل ، وقد تحالف معها الإنقاذ ، ولا أريد أن أتحدث عن قبلية الفصائل ومنها جبهة الإنقاذ ذاتها التي تعطي شهادة البراءة لنفسها، وبعد ذلك من يبقى مع السيد/ حمد رمضان من البشر في البلد إذا طبقنا هذا المعيار التطهيري ؟ سؤال للأخ / محمد ، أليس من المنطق أن يسود العقل بدل الانفعال في تناول الأحداث هكذا ؟
يبدوا أن جبهة الإنقاذ كفصيل لا تؤمن بفيدرالية الدولة ، وهي تؤمن بمركزية الدولة، وهي في هذا الرأي تشارك مجموعة فصائل معارضة التجرنية وكذلك نظامهم ، فهي من حقها أن ترعى مصالح تنظيمها وأعضائها حسب موقعها وواقعها وهذا خيارها ، ولكن ليس من حقها أن تنكر على الآخرين خيارهم بأن يطالبوا بحقوقهم وتنعتهم بصفات لو قالها الغير عنهم لما رضوها ، ونسأل أليست الإقليمية في النمو الاجتماعي أفضل من القبلية والطائفية في قاموس من يسميهم الأستاذ القوى الوطنية في مدارسهم الفكرية؟.

شاهد أيضاً

بيـان حـول مسار التطـورات الخطيـرة للعلاقـات الاثيوبيـة – الإرترية .

ظل شعبنا الإرتري يتابع باهتمام وقلق شديدين سير أحداث التطورات والتحولات المتسارعة في مجال العلاقات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *