الأجيال الإرترية: ماض تليد وحاضر قيد التجديد.

أبو رامي

استوقفتني عبارة للمفكر الفرنسي اتييان دولابواسييه في كتابه، العبودية الإختيارية
والتي يقول فيها (عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه “المواطن المستقر”).
وكأنما المفكر الفرنسي يقصدنا بهذا التعبير.

فمن الملاحظ أن مجتمعنا رغم التضحيات العظيمة التي قدمها في سبيل نيل حريته واستقلاله، نجد اليوم من بين أبنائه من يصطف إلى جانب العدو، لدرجة تجعل من الصعب على المتابع التسليم بأن هؤلاء من أولئك، ينتمون لذات المجتمع الذي حمل أبناؤه السلاح دفاعا عن وطنهم وأعراضهم وحرياتهم في ظل ظروف قاسية أقل ما يقال عنها أنها لم تكن مواتية بكل المقاييس من حيث ندرة السلاح وصعوبة الحياة وغياب الدعم الخارجي، وبالرغم من كل ذلك خاض أبناء هذا المجتمع نضالا تحرريا ضربوا من خلاله أروع الأمثلة في النضال المدني الحقوقي ومن ثم النضال السياسي والعسكري والبذل المادي.
لقد ساهم الجميع بما يستطيع، شيبا وشبابا رجالا ونساءا، كان المجتمع الإرتري حاضرا بكلياته في فترة الكفاح المسلح وعلى مختلف الصعد، الكل بذل وشارك بنفسه أو ماله أو علمه، إلى أن توج نضالاته بإنتزاع حريته واستقلاله فأصبحت إرتريا دولة ذات سيادة يرفرف علمها في سارية الأمم المتحدة على قدم المساواة مع كافة الأمم الحرة.
لقد بذل الشعب الإرتري تضحيات جسام سالت فيها دماء الشهداء من أجل الحرية والسلام والعدالة والمساواة.

ولكن بعد الاستقلال جاء الإستغلال من نظام الهيمنة القومية الذي خدع الجميع وتسلل إلى التأريخ الإرتري خلسة ليتحكم برقاب العباد بالظلم والبطش والتهديد والوعيد.
ورغم كل هذا الظلم الواضح البين الذي نزل على الجميع، وعلى مجتمع المنخفضات بالأخص، إلا أن رد الفعل كان ضعيفا من مجتمع وقف في وجه أقوى جيش في إفريقيا في ذلك الوقت.

أصبح معظم أبناء هذا المجتمع لا يبالون بما يجري في إرتريا، بعضهم اختار دول الشتات وطنا جديدا فأصبح ينعم بصفة (المواطن المستقر ) مؤقتا.
ينشغل بهموم الغربة ويدور في دوامة مشاكلها التي لا تنتهي، اهتمامه بقضايا وطنه ضعيف وتفاعله معها شحيح، منهم من طلب اللجوء في أوروبا هربا من الظلم وبحثا عن العدل، وبعد أن استقر به المقام نسى الهم الذي تركة خلفه والظلم الذي يعيش فيه أهله فأصبح يبحث عن الإستقرار والتوطين في الوطن الجديد.

وما بين عادات الوطن القديم وتقاليد الوطن المضيف يظهر جيل جديد علاقته بوطنه الأم مفردات غريبة وذكريات الوالدين عن مرارات الماضي وتعاسة الحاضر،
أجيال عديدة تعلمت في بلدان الوطن العربي ومن ساهم في العمل العام الإرتري لا يتناسب مع أعداد الخريجين من تلك الجامعات والمعاهد، معظمهم اعتبر أن النضال انتهى مع التحرير أما التعمير أو الحريات أو المطالبة بالمؤسسات والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع القوميات فهو عمل لا يلزم التضحيات، فانشغلوا بالأوطان الجديدة واهتموا بقضاياها أكثر من اهتمامهم بقضايا وطنهم المنسي.

أصبح الوضع ملائما في الداخل للنظام بأن ينفذ جميع أجندته الخفية في التمكين لأبناء قومية واحده في كل مؤسسات الدولة، وفرض ثقافة قومية واحدة على كل المكونات الأخرى، أصبح الجميع في خانة المواطن المستقر في بلدان جديدة وهى حالة مؤقتة لأن القوانين تتغير والنظم تتبدل والزمن يمر.

ولابد مما ليس منه بد، لأن الوطن الأصلي هو الملجأ الأخير وهو الملاذ الآمن للجميع أحياء فوق أرضه أو أموات تحت ترابه، وحتى لمن قرر عدم العودة فإنه غير معفي عن مسؤولياته تجاه مجتمعه ووطنه الأصلي، وهذا ما تقوم به الجاليات الأخرى في بلدان المهجر تتفاعل مع قضايا وطنها الأم فرحا وترحا، وتعمل على ربط الأجيال الجديدة بماضيها الثقافي والتأريخي عبر الوسائل المدنية من إقامة المهرجانات الثقافية والندوات التثقيفية والمعارض التراثية وغيرها من الوسائل المتاحة، كما تعمل على المساهمة في صناعة مستقبلها في الوطن الأم من خلال الكفاح والنضال المستمر من أجل غد أفضل للوطن.

فهل يفعلها الجيل الإرتري الحاضر ويقلب الموازنة من جديد ويعيد صناعة التأريخ؟

مازالت شعلة الأمل فينا متقدة رغم قساوة الزمن علينا ..

.

.

.

شاهد أيضاً

national_unity_munkhafadat.com

 الوحدة الوطنية .. الهم الحاضر والواقع الغائب في حياتنا

 الأستاذ محمود آدم مدخل: تعتبر الوحدة الوطنية ليس فقط من اهم القضايا الوطنية بل اكبرهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *