ابتسامة وطن

سليمان بخيت –

يتملكنا الحزن والأسى والحسرة حين يخطف الموت اشخاص مؤثرين في حياتنا.. نأمل ان يعيشوا اطول فترة ممكنة .. ولكن يتسلل الموت فيخرجهم من حياتنا دون سابق انذار…
أن الأستاذ محمود كنوني الذي اختطفته يد المنون من حياتنا فجأة .. هو رجل بقامة وطن، إذ يعد أحد الأعلام الأوائل الذين اثروا المنظومة التعليمية الارترية في عهد الاستعمار الاثيوبي؛ وأسهموا في النهوض بها من مختلف الجوانب، فقد تدرج في مختلف المراحل التعليمية وخَبَر خصوصيات كل مرحلة وحاجياتها؛ كما تدرج في الإدارة التعليمية وتسيير مهامها، فاطلع على أهم المقومات التي تحتاجها الإدارة التربوية الارترية والإشكالات التي تعاني منها؛ علاوة على اشتغاله على تشكيل وتطوير الهياكل التعليمية من هيئة تدريس وإدارة، فكان أن أسهم بشكل كبير في هندسة تكوين المنظومة الإدارية للعملية التعليمية، التي ظهرت بصماتها بشكل جلي في ثانوية كرن، حيث تمكنت المدرسة في عهده من الحاق العشرات من الطلاب بجامعة اديس ابابا، وكانت الجامعة الوحيدة في اثيوبيا التي لم يكن الالتحاق بها أمرا سهلا في ذلك الوقت.
عندما كان المغفور له باذن الله الاستاذ القامة محمود كنوني مديرا لثانوية مدرسة كرن كنت في المرحلة الابتدائية بعدها انتقلت الى اثيوبيا حيث بدأت دراستي الثانوية هناك، لكن اول معرفتي بالاستاذ محمود كان في كرن وذلك بحكم العلاقات الاسرية التي جمعتنا حيث كنا نزور عائلة الاستاذ من وقت لآخر.
التقيت بالاستاذ محمود مجددا في ابوظبي عام 1987 عندما انتقلت من دمشق الى هناك بحثا عن العمل، التي استقر بها مع عائلته، حيث كان يعمل في حقل التعليم . وخلال الثلاثة سنوات التي مكثتها هناك حيث عملت في المرسم الحر التابع للمجمع الثقافي لابوظبي، كنا نلتقي مرارا بحكم العلاقات الاسرية بالاضافة الى الصداقة التي جمعتني مع ابنائه احمد وصلاح وهم في نفس سني.
المرحوم الاستاذ محمود رجل فريد، والجلوس معه ذو شجون، تشعر وانت تستمع لاحاديثه الهادئة والمتزنة وخبراته المتراكمة في الحياة، وشغفة بالقراءة في جميع ميادين المعرفة بالاضافة الى تواضعه الكبير وحبه للعلم، بأنك امام موسوعة شاملة من العلم والمعرفة.
كان رحمه الله ذا عقل راجح، وطبع لطيف، خفيف الظل ، يحب البساطة، ويتمتع بروح دعابة ظريفة، ويتميّز بتواضع جمّ يجعله يعلو ويكبر فى أعين كل من سنحت له الفرصة أن يتعرّف عليه عن قرب.
عندما كنت استمع إليه وهو يتحدث عن اهمية التعليم للنهوض بالمجتمعات كنت أشعر بأنني أمام شخصية تحمل على كاهلها اعباء ومسؤولية التأخر الذي نعاني منه، حيث أن جل حديثه كان عن أهمية التعليم وأهدافه وأثره على نهضة المجتمعات والشعوب؛ وعن أهميته كحل لما نعانيه في ارتريا بشكل خاص والبشرية بشكل عام. الجلوس مع الاستاذ محمود كان دوما جلوسا مع حضرة الفكر ومع التاريخ، وفي عالم العقل والمنطق.
كان يرحمه الله قمة في التواضع لطيف المعشر محبوبا من الجميع، يحترم ويقدر الجميع، لا يفرق بين أحد وآخر فالصغير والكبير عنده سواء.
غداة الاستقلال، كان الاستاذ محمود مازال يعمل في سلك التعليم في ابوظبي، وكانت كل الظروف مواتية ليكون لمثل هذا المربي شأن ودور في المؤسسة التعليمية في دولة ارتريا الوليدة، الا ان التهميش طاله كما طال معظم المفكرين والمبدعين من ابناء المكونات الارترية .
وعندما كنت أسأله عن بعض هذه القضايا ، كان يجيب بمستوى الرجل المفكر الذي يزن الأمور بعيدا عن الحسابات الشخصية.
و كغيرة من مبدعى الامة تجاذبته السنين الا انه كان شامخا لم يتذمر بل كان وادعا مسالما شغوفا بالعلم والمعرفة كعادته، متهكما على ذلك باسلوبه الفكاهي المميز.
ملخص القول فإن الاستاذ محمود وبدون مبالغة هو أخر الكبار من جيل العطاء في مجاله، حيث أن اهتمامه بالجوانب الاستراتيجية للعملية التعليمية كانت إضافة كبيرة في المسيرة التعليمية في ارتريا بصفة عامة وفي مدينة كرن بصفة خاصة.
وكان مؤمنا بضرورة بناء المجتمع من خلال العلم. وهذا ما آمن به بشكل استراتيجي وحلم بأنه لابد ان يتحقق يوما. وإيمانه العميق بارتريا العادلة والمزدهرة والعصرية لم يتزعزع يوما رغم كل النكسات والازمات التي تعرضت وتتعرض لها.
رحم الله الاستاذ محمود وأسكنه فسيح جنانه بقدر معين عطائه الثر.

.

.

.

شاهد أيضاً

بيان رابطة ابناء المنخفضات الأرترية حول تظاهرة واجتماع جنيف .

انطلاقا من مبادئنا الثابتة وأهدافنا المعلنة في رابطة أبناء المنخفضات الإرترية، ظللنا نناضل من أجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *