أيقونة الفن الإرتري الأمين عبد اللطيف – الجزء الخامس

قلم وحوار: الأستاذ أبوبكر صائغ _

الجزء الخامس _

بين عشية وضحاها اختفي من حياتنا من كان سبباً في عشقنا للغناء والحب بصوته الرخيم الحالم وبأدائه المتميز على خشبة المسرح، رحل صاحب أغنية “فاطمة زهراء” التي ألهبت حماس الجماهير الإرترية المتعطشة للحرية والاستقلال وللثورة والنضال.

رحل الأمين وترك خلفه مئات الذكريات التي تملأ عقولنا وقلوبنا، اختفي فجأة دون سابق إنذار، وهذا دأب الموت دائماً يأتي على حين غفلة ولا يفرق بين كبير أو صغير.

لم يكن الأمين مجرد مطرب ناجح ومشهور، بقدر ما كان أيقونة للفن الإرتري في كل الحقبة حتى يوم رحيله، فهو قصة نجاح وصعود من قلب المعاناة إلى قمة المجد، وتحويل الألم إلى أمل، وقد تربت أجيال وأجيال على صوته الدافئ وأغانيه الحالمة الرقيقة.

رحل اليوم عن دنيانا الفنان الكبير الأمين عبد اللطيف وفقده ترك في القلب ألم وفي الحلق غصة، وتخليدا لذكراه سأنشر الحوارات المطولة التي أجريتها معه عام 2007م حتى يكون القارئ ملماً بسيرته الذاتية ورحلته في عالم الغناء لأكثر من نصف قرن من الزمان شكّل خلالها أحاسيس الناس بأروع ما تغني، فإلى الجزء الخامس من مضابط الحوار:

**- مدير مدرسة الجالية المصري محمد البنا كان يشجعني لمواصلة الفن، أما المدير الإرتري محمد قسم الله فخيرني بين الفن والتدريس واخترت الفن.

**- إذا شجعتكم الجماهير يجب أن لا يدخل الغرور إلى نفوسكم لان الغرور نهاية الفنان.

**- حين نغنى أغنيات عاطفية كان يثور الفنان الكبير اتو برهان سقيد ويقول لي “متى حتغنو للحب الكبير؟”

ما بين الفن والتدريس أوجه شبه كثيرة، حدثنا عن مرحلة التدريس وظروف التوظيف، ثم تركك التدريس والعودة إليه؟

الفن والتدريس حقيقة بينهما أوجه شبه كثيرة، والتدريس هو بحد ذاته جزء من الفن ولكن الفن في بلدنا في تلك الأوقات كان يعتبر خطأ بشري فظيع، وانا للآسف الشديد عانيت في التدريس بسبب الفن كما عانيت بسبب الفن بداية مشواري الفني مع أهلي وقبيلتي، وحين أكملت الثانوية العامة وقبل الالتحاق بالتدريس عملت في أديس أبابا ككاتب للعمال، لأنني كنت أجيد اللغة الإيطالية لدراستي لها سلفاً في إرتريا، وقضيت عامين في إحدى المؤسسات التي كانت تابعة لإيطاليا ويملكها إيطالي، وبعد رجوعي من أديس أبابا إلى أسمرا كنت أبحث عن عمل وسمعت بأن مدرسة الجالية العربية في حاجة إلى مدرسين وسوف تجري اختبارات الاختيار. تقدمت بطلب للاشتراك في الاختبار، والحمد الله نجحت في الاختبار ، وتم تعيني معلماً بمدرسة الجالية العربية بأسمرا ، كمعلم ابتدائي، وكان مدير المدرسة في تلك الأوقات أستاذ مصري اسمه محمد محمد البنا ، وهذا المدير كان متفهماً لهوايتي الفنية لأنني شرحت له في إحدى المرات هوايتي الفنية ورغبتي في الاشتراك مع فرقة أسمرا الفنية وشجعني الرجل ووقف بجواري وقال لي اشترك في فرقة أسمرا الفنية لأن الفن هو جزء من رسالة التدريس والتعليم، وبدأت مع فرقة أسمرا الفنية وهذا الأستاذ الجليل محمد محمد البنا كان يدخل في وسط الجماهير في سينما أسمرا لمشاهدتي وتشجيعي، وبعد أن أوقفت الحكومة الأثيوبية جميع الأجانب من إدارة أي مؤسسة، غادرنا الأستاذ محمد محمد البنا متوجهاً إلى بلده بعد أن ودعناه وداع الأبطال.

وجاء بعده مباشرة أستاذ إرتري كمدير لمدرسة الجالية العربية اسمه الأستاذ محمد عثمان قسم الله، وهذا المدير الإرتري بدلاً من أن يشجعني في الفن ويشد من أزري استدعاني وقال لي: المدرس لا يمكن وبأي حال من الأحوال أن يدرس بالنهار ويغنى ويرقص بالليل، وقال عليك الاختيار بين التدريس والفن، وقلت له أنا لم أقصر في عملي ووظيفتي وقدمت شكوى لإدارة التعليم إلا أن المدرسة كانت تعتبر مدرسة أهلية وخاص ،وإدارة التعليم كتبوا خطاب قالوا فيه إن فرقة اسمرا الفنية بها عدد كبير من المعلمين والفن جزء من التعليم، والمدير رفض الخطاب وقال لي: إما أن أكون معلم ملتزم أو أن أكون فنان ملتزم، وتمت إقالتي من المدرسة أثناء إدارة مدير إرتري وهو الأستاذ محمد عثمان قسم الله وطردت من التدريس بسبب الفن أيضاً.

وبعد ذلك بدأت العمل في شركة الأخ العزيز حسن كيكيا ثم عملت في شركة إيطالية كانت في أسمرا، وحين غادر الأستاذ محمد قسم الله وحل محل محله الأستاذ حسن محمد بامشمش ، سأل الأستاذ حسن عثمان وقال لماذا طُرد هذا الأستاذ من المدرسة، وقيل له بسبب الفن، وقال لهم الأستاذ حسن، الفن جزء من التعليم وقال لهما الأستاذ الأمين عبد اللطيف كان من أنشط المعلمين ، وخلال فترة وجوده المدرسة كانت تشارك في المناشط الثقافية والفنية والرياضية والكشفية التي كانت تجري بين المدارس ويجب إعادة هذا المدرس إلى مكانه، ثم استدعاني مدير المدرسة وسألني لماذا تم طردك من المدرسة وقلت له لم أرتكب أي خطأ ولكن الأستاذ محمد عثمان قسم الله طلب منى أن أختار بين أن أكون معلم ملتزم أو فنان ملتزم واخترت أن أكون فنان ملتزم وهوايتي تقلبت على مهنتي.

ورجعت إلى المدرسة معززاً مكرماً وزادوا لي راتبي، واستمريت في المدرسة حتى عام 1970.

وبسبب دخولي للحقل الفني واجهتني صعوبة كبيرة من الأهل والقبيلة وكذلك من بعض المدرسين الذين كانوا يعتقدون أن الفن مهنة معيبة. وبعد ذلك التقيت بالأستاذ محمد عثمان قسم الله بعد أن أصبح دكتور والتحق بالميدان وأصبح مناضلاً من أجل القضية الإرترية وبعد التحرير التقيت مع الدكتور محمد عثمان قسم الله في مدينة اسمرا وسألته سؤال وقلت له لماذا طردتني من المدرسة في عهدك؟ بينما الأجانب كانوا يشجعونني، قال لي بكل عنجهية لو كنت الآن مدير المدرسة وكنت أنت تغنى لطردتك من المدرسة. وهذا كان موقف غريب جداً منه.

نعود لفرقة أسمرا الفنية، وكما يقال الفن رسالة والتزام والعمل الفني الناجح يحتاج إلى إدارة ناجحة، والفنان هو ملك للجماهير وبالتالي يجب أن يكون ملتزماً في كل شيء بدءًا من مظهره وسلوكه وتصرفاته وحركته في داخل المجتمع… الخ.

كانت هناك لوائح صارمة في فرقة أسمرا الفنية الكل يتحدث عنها، حدثنا عن تلك اللوائح الداخلية لفرقة أسمرا الفنية؟

قوانين ولوائح فرقة أسمرا الفنية كانت صارمة جداً جداً، وكنا نعتز بتلك القوانين لأننا تعلمنا منها الكثير، كاحترام الناس والفن. إذا كان الفنان لا يحترم نفسه لا يمكن أن يحترمه غيره، فالاحترام يبدأ من النفس، وهؤلاء الإداريين الأجلاء وعلى رأسهم الأستاذ المايوا كحساي والأستاذ أسرس تسما والأستاذ أببي إياسوا وغيرهم من المدرسين علمونا كيف يكون الفنان محترما أمام الجماهير لتحبه الجماهير، كيف يكون الفن في حد ذاته محترما، وكانوا يفرضون علينا الالتزام بالملابس والمواعيد والأداء الجيد، وأغرب شيء أتذكره الآن هو كانوا يقولون لنا إذا شجعتكم الجماهير وأعجبت بكم يجب أن لا يدخل الغرور، إلى نفوسكم، لان الغرور بداية النهاية بالنسبة للفنان، ولذلك يجب أن تكونوا عاديين وأن تكونوا مخلصين للفن، وأهم شيء كان الالتزام بمواعيد التدريب ((البروفات)) وكان ذلك يتم يومياً، ولكثرة عدد الفنانين كنا مقسمين لثلاثة مجموعات ((أ، ب، ج)) ويومياً يجري حوالي خمسة فنانين تدريبات ((بروفات)) والعازفين كانوا متواجدين، وإذا تغيب الفنان لمدة ثلاثة أيام دون الحصول على الأذن يعتبر خارج فرقة أسمرا الفنية. أضف إلى ذلك أي أغنية يقدمها فنان عضو في فرقة أسمرا الفنية تعتبر ملك للفرقة ولا يمكن أن يرددها أي فنان خارج نادي فرقة أسمرا الفنية إلا بعد أن تصل للجماهير عبر فرقة أسمرا. ومواعيد التدريب في فرقة أسمرا الفنية كانت محددة من الساعة الخامسة مساءاً وحتى التاسعة مساءً، أما الفرقة المسرحية فكانت تتدرب هي أيضاً يومياً، وكذلك الراقصين والراقصات كانوا يتدربون يومياً، وكل شيء كان له مدرس ومشرف خاص وفرقة أسمرا الفنية انتهت عام 1970م ورغم ذلك نحن حتى الأن محتفظين بنفس القوانين وملتزمين بها في كل شيء وحتى اليوم إنني لو دعيت لأي حفل أحضر إلى مكان الحفل قبل الموعد المحدد بنصف ساعة، وفي الحفلات العامة أحضر قبل الجمهور بنصف ساعة ….. هنا واصل الأستاذ الفنان الأمين عبد الطيف حديثه منفعلاً ….. “ما معقول الفنان يحضر بعد الجماهير أو الجماهير تنتظر قدوم الفنان. والفنان يجب أن يكون حريصاً في لبسه وكلامه ومعاملته وحركته وهذه الأشياء تعلمناها في فرقة أسمرا الفنية”. وأكما قائلا: تلك اللوائح كانت تكبتها لجنة خاصة ويناقشها كل أعضاء الفرقة.

بعد أغنية ((خاتم حظى زابيكو)) توالت الأغنيات حتى منتصف الستينات من القرن الماضي، ماهي أهم الأغنيات التي غنيتها خلال تلك الفترة؟ وهل تعاملت مع شعراء وملحنين في تلك الفترة؟

للآسف الشديد لم يكن لدينا أي شعراء لأغنية التقري خلال تلك الفترة، الفنان باجتهاده الشخصي هو الذي كان يكتب الكلمات ويضع لها اللحن المناسب ثم يغنيها للجمهور، وفترة الستينيات كانت خصبة بالأغاني، ومن الأغاني التي قدمتها، والتي كانت ناجحة، ((أقبلينى سراى أقبلينى)) ولحنها أعجب به الفنانون الأثيوبيون، بل ادخلوا كلمات إثيوبية في اللحن وغنوه بنفس طريقتي وفي فترة الستينيات قدمت أغنيات كثيرة منها مثلاً أغنية ((أقبلينى سراي- أنا لبي بقوها – يحميكيني – إتنسينى)) أغنيات كثيرة قدمتها وكانت ناجحة ونالت رضا واستحسان الجمهور.

وفي بداية 1963م كل أعضاء فرقة أسمرا كانوا ملتزمين بحركة تحرير إرتريا، والإدارة كانت تدعوا كل الفنانين لإدخال كلمات في داخل الأغنية لتعريف الجماهير بالقضية وتمجيد إرتريا بشكل رمزي، وحين نغنى أغنيات عاطفية كان يثور الفنان الكبير اتو برهان سقيد ويقول “إلى متى حتقولوا حبيبتي، حبيبتي، لديكم حبيبة كبيرة وهي إرتريا أرجوكم لا تنسوها حين تكتبون كلمات أغنياتكم” ونفس الكلام كان يردده علي أسماعنا الفنان الكبير أسرس تسما وكان يكتب كلمات رمزية تمجد إرتريا في الأغنيات التي كان يهديها للفنانة الراحلة تبره لكي تغنيها.

بدأنا نكتب أغنيات تتضمن كلمات رمزية، والرقابة كانت شديدة جداً علينا، وفي تلك الأثناء كتبت كلمات أغنية ((إلا ما تحلفنيتو قبئ)) وكذلك جزء كبير من كلمات أغنية ((أنا لبي بقوها)) كان بها عبارات سياسية، وكان هنالك تخوف من الرقابة والأجهزة الأمنية الأثيوبية، وكنا لا نعرف ولا نسأل عن قري بعضنا البعض أو الأماكن التي ننحدر منها. مثلاً الأستاذ المايو كحساي وغيره كنا لا نعرف أين تقع قراهم. واكتشفنا متأخراً أن بعض الفنانين الذين كانوا معنا هم من إقليم تقراي، أو قوجاب، فمثلاً الفنان أرآيا بلاي ما كنا نعرف إنه من قوجاب إلا بعد فوات الأوان.

ومنذ عام 1963م بدأت أغني بلغتين وهي التقري والتقرنية، وسبقني بالغناء في فرقة اسمرا الفنية الفنان الكبير جابر محمود، الذي كان يقف معي دائماً ويقدم لي النصائح ويصحح لي كلمات أغنياتي لأنه كان يعرف ويجيد لغة التقري أكثر مني، أما كلمات أغنياتي بلغة التقرنية كل الفنانين الناطقين بلغة التقرنية كانوا يتعاونون معي في تصحيحها.

شاهد أيضاً

شيء من التاريخ غير الموثق – المعهد الديني الإسلامي بأغوردات

 الحسين علي كرار لمحة تاريخية عن تأسيس المعهد 1962م تعتبر مدينة أغوردات من المدن ذات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *